العنوان الذي في الأعلى هو في الواقع عنوان الحياة الجديدة التي يعيشها العراقيون بعد تحفة الديمقراطية الغربية التي طبقت في العراق على يد السيد جورج بوش .نعم العراق اليوم لا يكفيه الكارثة السياسية والأمنية التي تحرق كل يوم أرواح الأبرياء والأشقياء دونما تمييز ،لتهل عليه كارثة أخرى ألا وهي الهجرة الكارثية إلى مختلف أصقاع الأرض بحثا عن العيش بأمان وقليل من الرزق وقليل وأقل من الكرامة ليس لان المضيفين لا يرعون كرامة العراقي معاذ الله بل لان لا كرامة لإنسان دونما وطن .

كارثة هجرة العراقيين إلى الداخل والى الخارج هروبا من الموت والتطهير العرقي والطائفي هذا النوع من الكوارث حصل في كثير من مراحل تاريخ العرب المعاصر وكان أشهر تلك الهجرات هجرة الفلسطينيين بعد عام 1948. وهجرة اللبنانيين بعد الحرب الأهلية اللبنانية. ولكن هجرة العراقيين لها تفاصيل مختلفة تجعل منها كارثة بمعنى الكلمة وهو ما أعلنته الأمم المتحدة فعلا

حيث اعتبرت أن ما يجري في العراق من عنف قاد إلى اكبر كارثة نزوح في المنطقة منذ الهجرة الفلسطينية بعد تأسيس دولة إسرائيل عام 1948.وعلى الرغم من أن لغة الأرقام تعد ابعد نقاط الحقيقة إلا أن الإحصائيات التي أعلنتها المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى أن هناك أكثر من مليوني عراقي خرجوا من العراق باتجاه دول الجوار خاصة الأردن وسوريا.

إضافة إلى مليون عراقي هاجروا إلى داخل العراق باتجاه المحافظات الأكثر أمنا في كردستان العراق والمحافظات الجنوبية .وتشير المنظمة إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف عراقي يتركون ديارهم يوميا باتجاه الهجرة إلى الخارج أو الداخل وان هذا الرقم مرشح للازدياد. وبالتالي سرعان ما تحولت هجرة العراقيين إلى كارثة إنسانية ليس فقط للتزايد المضطرد في حجم النازحين وليس فقط للظروف الصعبة التي يعانيها معظم هؤلاء النازحين

بل إلى مشكلة اكبر وهو أن هذا النزوح يتم إلى بلدان ليس لديها الإمكانيات اللازمة لاستيعاب هذا النزوح وهو أمر يشترك فيه كل من سوريا والأردن ومصر إضافة إلى أن هذه الهجرة هي عبارة لعملية غاية في الصعوبة بدءا من الأسباب وصولا إلى أماكن الهجرة المقصودة مرورا بطرق الهجرة وصعاب النقاط الحدودية وأوراق السفر المستخرجة من قبل دوائر حكومية ينخرها الفساد والطائفية.

رحلة الهجرة لمعظم المواطنين العراقيين تبدأ من لحظة الشعور بان لا حل للماسأة التي وصلوا إليها. هذه اللحظة ليست سهله لمعظم العراقيين فهم يعرفون أنهم سيتركون أموالهم وأملاكهم للمجهول قد تخرب أو تنهب أو يتم الاستيلاء عليها دون أية ضمانات قانونية. لحظة اليأس أو قرار الهجرة له أسباب عدة في العراق من أهمها:

1ـ تلقي تهديد بالقتل أو الخطف وهذا الأمر يشمل المسؤولين في النظام السابق أعضاء حزب البعث القادة العسكريين والضباط الكبار المشاركين في حرب إيران العلماء وأساتذة الجامعات الأطباء ،الفنانين، الصحافيين....الخ.

2ـ تهجير طائفي وهي عمليات تقودها المليشيات والجماعات المسلحة من الطائفتين بصورة منظمة تهدف إلى إخراج العوائل من منازلهم ومناطق سكناهم وجعل تلك المنطقة تحسب لطائفة معينة علما أن هذه العملية مؤلمة وصعبة ففي بغداد العوائل السنية أو الشيعية تسكن في بعض المناطق القديمة منذ أجيال ولا يمكن التمييز بينها حتى بالنسبة للعادات

حيث إن سكان بغداد الأصليين لديهم عادات متقاربة يصعب التمييز بينهم .وهذا الأمر يشمل المحافظات أيضا حيث إن التواجد السني أو الشيعي هو تواجد قبلي في المحافظة الواحدة كما هو الحال في محافظة البصرة على سبيل المثال حيث إن العشائر السنية ضاربة القدم في المحافظة مثل عشائر السعدون على سبيل المثال وكذلك الحال في محافظة الديوانية.

3ـ المناوشات التي تتم بين المليشيات من جهة وسكان المناطق البغدادية وهي احد أسباب هجرة العوائل من بغداد خاصة حيث إن هناك عمليات مسلحة تشن يوميا على بعض المناطق بالتحديد بالشكل الذي يقود إلى استحالة العيش فيها وهذا الأمر سرعان ما انتشر إلى باقي مناطق بغداد بصورة تنفي وجود أي ملاذ آمن للعوائل يقيها من تلك العمليات الشرسة.

4ـ البحث عن الرزق حيث الحياة الصعبة في عموم العراق وانعدام الأمن أدى إلى هجرة معظم الشباب العراقي من أصحاب الشهادات والخبرات إلى الخارج طلبا للرزق بحثا عن فرص العمل التي ينقذون بها أنفسهم وعوائلهم المهددة بالتشرد.هذه بعض الأسباب التي تقود إلى الهجرة من العراق ولكن لكل واحدة من هذه الأسباب السابقة تفرعاتها وأحداثها الدرامية المؤلمة.

رحلة الهجرة بحد ذاتها كارثة إنسانية .فإذا قررت أن ترحل من بيتك فأنت سوف تذهب إلى المجهول لانك قد تقتل أنت وعائلتك في الطريق مهما كانت هذه الطريق وعلى الهوية أو ليتم نهب ممتلكاتك حيث انك بالطبع قد أخذت معك كل ثمين قد ينفعك .وفي بعض الأحيان تقتل في الطريق دون حاجة لتبرز هويتك فالوجهة تحدد الهوية !!

وسواء كنت موليا وجهك شمالا أو جنوبا و شرقا أو غربا فانه لا ضمانات لك بالوصول الآمن حيث تزخر طرق الهجرة البرية بالعصابات وقطاع الطريق والمليشيات إضافة إلى القوات الاميركية التي لاتفرق بين العوائل وبين المليشيات والجماعات المسلحة وفي بعض الاحيان تستخدم تلك القوات العوائل المهاجرة كدروع بشرية لتأمين طرق إمداداتها اللوجستية.

في الواقع يوجد هناك جملة من المنافذ الحدودية التي تربط العراق بدول الجوار ومن أهمها منفذ الوليد وربيعة على الحدود العراقية السورية ومنفذ طريبيل على الحدود العراقية الأردنية ومنافذ المنذرية والشيب وبدرة والشلامجة على الحدود العراقية الإيرانية ومنفذ صفوان على الحدود العراقية الكويتية.

وعموما وبعد أن يتم ترك جميع الممتلكات ويتم قطع كل هذه المسافة من الطريق المليئة بالأخطار فان لا ضمانات لإمكانية عبور المنافذ الحدودية حيث إن معظم الدول التي تتم إليها الهجرة وضعت مجموعة من التشديدات وبالتالي فان أي أخطاء أو تجاوز في أي من أوراق السفر سوف يعني عدم تمكن عوائل بأكملها من العبور وبالتالي فانها سوف تضطر إلى القيام برحلة العودة التي قد تكون أصعب من رحلة المغادرة

خاصة أن الكثير من تلك العوائل المهاجرة ليس لديها مكان لتعود إليه مرة أخرى .إضافة إلى التشديدات الأمنية هناك احتمال آخر وهو أن تكون هذه المنافذ مغلقة أصلا وهذا الأمر لا يعرفة المسافر إلا بعد أن يصل إلى النقطة الحدودية وبالتالي ليس أمام العوائل المهاجرة خيار سوى العودة أو البقاء بالقرب من هذه المنافذ لأيام لحين أن يتم فتحها.

الوصول يعني نهاية رحلة الهجرة إلى الداخل أو الخارج. وهو لا يخلو من التحديات والأزمات أهم تلك التحديات السكن ثم الحصول على عمل أو أي مورد ثم التعليم ..الخ ولقد أظهرت آخر احصائيات منظمة الهجرة الدولية أن 80% من المهاجرين يجدون في السكن التحدي الأهم، بينما اعتبر 71% منهم الغذاء التحدي الاكبر، و68% من المهاجرين يعتبرون أن العمل هو التحدي الاكبر .

في البداية أي عندما كانت موجات الهجرة من العراق قليلة ومتقطعة كانت تلك التحديات قابلة للحل خاصة إذا ما أحسنت اختيار وجهة الهجرة بما يناسب الامكانيات. ولكن بعد المد الهائل للعوائل المهاجرة وبعد أن بدا أن لاضوء في آخر النفق المظلم في العراق أصبحت تلك التحديات خطيرة وأصبح الحصول على سكن بأي نوع وتحت أي ظرف أو شكل نجاحا باهرا فليس غريبا أن تتكدس عائلتان أو أكثر في شقة من غرفة واحدة .

أما الحصول على عمل فهذا طموح أضحى زائلا في العديد من الدول التي تتم إليها الهجرة مهما بلغت الكفاءة أو الشهادات أوالضمانات.واليوم أصبح تحدي البقاء هو التحدي الأكبر بعد أن بدأت اغلب تلك الدول بإخراج العراقيين أو تقليص مدة إقامتهم أو عدم السماح لهم الدخول أصلاً ومن أي منفذ حدودي. يا غربة الروح ....

هل ضاقت بك السبل .هذا هو لسان حال العراقيين اليوم سواء من هم في الداخل أو من هم في الخارج فدائرة الموت والانتقام والحرب والدمار والفقر والقهر والجور تركت الجميع في العراق في دائرة الغربة مهما كانت الأسباب وبالتالي فان عملية الانتقام وإبادة العراقيين أضحت عملية مشتركة من قبل الأعداء المشبعين بالحقد على كل عراقي عربي أصيل ومن قبل ألم الغربة الموجع الذي ترك العراقيين بلا منقذ مساعد .

نعم المنظمات الدولية اليوم مطالبة بتدارك شؤون المهاجرين العراقيين وبشكل جدي بل وحتى تلك الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة والتي فشلت وإياها بتوفير الحياة الكريمة للعراقيين في داخل العراق بعد أن غطت وعودهم عنان السماء وبالتالي فهي أيضا مطالبة بإيجاد حل لمشكلة المهاجرين العراقيين.

وكذلك فان الأخ الشقيق لابد له من موقف فأين يلجا هؤلاء العراقيون الذين يهددون بالقتل لعروبتهم وأين من ملجأ أو أحضان مثل أحضان الأخ الشقيق نعم الهم كبير وثقيل ولكن هذا العراقي سبق وان قاتل من اجل العروبة ومن اجل الأرض العربية والدم العراقي لا تزال راحته زكية في الأرض العربية.

وان كان السيف العربي لا يزل كامنا في غمدة لا يخرج دفاعا عن الشرف والكرامة والوجود في ارض الرافدين فلا بأس .ولكن الشرف العربي والنخوة العربية لابد أن تأبى أن تتشرد العوائل العراقية بين الهجرة إلى المجهول وعودة أضحت مستحيلة إلى بلد الأموات فيه صاروا أكثر من الأحياء، والرحيل صار أجدى من البقاء.

كاتبة عراقية