هل انتهى الحديث في الإصلاح والتغيير السياسي؟ تلك الموجة التي اجتاحت المنطقة منذ فترة ليست بالطويلة. لقد استبشرنا خيراً بهذا الإصلاح المأمول منه تقويم الحياة السياسية وإعادتها إلى مسارها الصحيح وذلك بما يتضمنه من فصل في السلطات وتعزيز قنوات الحوار والمصالحة بين جميع أطياف المجتمع،

بالإضافة إلى تفعيل المشاركة الشعبية في الحكم، كمدخل إلى محاربة آفات المجتمعات العربية من فساد وفقر وبطالة وإعادة الحقوق إلى أصحابها من قبل المستعمر الداخلي قبل الخارجي. وفي سبيل تحقيق ذلك عقدت الندوات والمؤتمرات في العديد من العواصم العربية والإسلامية والأجنبية، واكتظت الأدراج بصيغ عديدة لنماذج من المشاريع الفكرية والإصلاحية، حتى أولئك الأشخاص التي تتعارض مصالحهم الاقتصادية والسياسية مع الإصلاح اضطروا إلى التكيف مع ما متطلبات المرحلة الراهنة.

ولكن بنظرة سريعة إلى أحوال (العربان) اليوم، تكفيك شر ما استبشرت به من إصلاح وديمقراطية ومشاركة شعبية فما جنينا من الإصلاح على الطريقة العربية إلا إشعال الفتن والحروب الأهلية والنزاعات والعنف اللا بشري في كل من العراق وفلسطين ولبنان، وغيرها من العواصم العربية وإن كانت بطريقة خفية،

مازالت تختمر تحت السطح. وأصبحت شعارات كالطائفية وأزمة التعايش والتقسيم الفيدرالي مواضيع ومانشتتات رئيسية حلت محل شعارات الإصلاح والديمقراطية. في الواقع هناك جملة من الأسباب وراء هذا التحول السريع والانقلاب على الديمقراطية والإصلاح، قد يكون من أبرزها السياسات والاستراتيجيات الخاطئة التي طبقتها الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، فالتدخل الأميركي في شؤون المنطقة،

والاحتلال المباشر للعراق، وتبني الإدارة الأميركية سياسة الحرب على الإرهاب، واعتبارها الإسلام المصدر الأساسي للإرهاب، علاوة على تعاملها مع نضال الشعب الفلسطيني باعتباره أعمالاً إرهابية مما أسفر عن ذلك التقليل من شأن القضية الفلسطينية.

إن مواقف الإدارة الأميركية هذه عملت على إثارة حفيظة التيارات الإسلامية السلفية وما نتج عن ذلك تعبئة تلك التيارات لمختلف قواها حتى تلك المعتدلة منها والعمل فيما بينها بهدف التصدي للنوايا الأميركية، واعتبرت الوجود الأميركي بمثابة حرب الصليبيين على الإسلام. لذلك تبنت هذه التيارات والمنظمات الأصولية مفهوم الجهاد ضد أميركا والأنظمة المتعاونة معها وقامت بتصعيد أنشطتها الجهادية والانتحارية ضد الأهداف الأميركية.

واعتبرت كل ما تأتي به اميركا من نماذج ديمقراطية وأساليب حياة ما هي إلا ضرب من ضروب الاستعمار وجب مقاومتها. الأمر الذي أعطى بعض قوى الحكم دفعة ما كانت تحلم بها، مما مكنها من إحكام قبضتها على المجتمعات العربية بصورة شمولية أكثر مما كانت عليه، بحجة حماية الناس من شر الإرهاب وهو في الواقع حماية مصالحها وديمومة استمرارها.

وعملت كثير من الأنظمة في اتجاهين إزاء تلك المشاريع الإصلاحية التي رأت في حالة تحقيق الحد الأدنى منها تقويض لجزء من سيادتها ومصالحها، فعملت في اتجاه على إحباط هذه المشاريع بكل ما أوتيت من وسائل وإمكانيات واعتبرت القضاء عليها جوهر المعركة الوطنية وعملت في كل اتجاه وإطار لتحقيق ذلك، ويكفي ما شهدته الساحة العراقية من معارك طائفية لعبت فيها بعض القوى دوراً لا يستهان به في إثارة المنطقة أكثر مما هي عليه وذلك من أجل التخفيف من حدة ضغوط الولايات المتحدة عليها.

أما في الاتجاه الثاني فقد عملت على تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الشكلية السريعة، وذلك لذر الرماد في العيون ولكسب رضا الأميركان، وهنا تختلف سياسات القوى المختلفة اتجاه مشاريع الإصلاح، باختلاف مواقعها من مواقع صنع دوائر القرار الأميركي.

أما السبب الآخر فيمكن إرجاعه إلى قوى التغيير التي هللت وباركت لمشاريع الإصلاح التي بشرت بها الولايات المتحدة الأميركية، رغم عدائها للولايات المتحدة، ولكن اعتبرت التغيير آتيا لا محالة، وهذا هو الهدف الرئيسي بغض النظر عن الطريقة،

فلا داعي إذاً لتضيع الوقت على الأرض والعقول التي صدأت بفعل عوامل التعرية والقهر والفساد والظلم والبطالة والتهميش، ومن الصعب جداً تغييرها بواسطة مشاريع فكرية وإصلاحية تأخذ وقتا طويلا لإظهار مفعولها. وهكذا بقيت معظم قوى التغيير في الوطن العربي تعيش حالة تنافر وصراع وفشلت في إيجاد على الأقل الحد الأدنى من التنسيق بين مصالحها للخروج بمشروع وطني، فوقفت موقف المتفرج.

فإزاء محتل مستعمر يملك في يده مفاتيح تحريك القضايا الاستراتيجية في المنطقة ولكن تحركه مصالحه الخاصة، وإزاء بعض الأنظمة التي يهمها بقاء طاحونة الفقر والبطالة والجريمة تدور لتشغل الناس بالاشتباك مع بعضهم البعض وتغض أبصارهم عن أي مشاريع إصلاحية صادقة.

وإزاء جماعات سيست الدين ووظفته من أجل خدمة مصالحها وأغراضها الشخصية وأخرجته من الأطر الفقهية والمدارس الكلامية التي ينتمي إليها إلى كتل دينية وهويات اجتماعية وسياسية مغلقة متحاربة مع بعضها البعض. فإزاء هذا الثالوث، المستعمر والسياسة والدين المسيس الطائفي، نشبت الحروب الأهلية والطائفية التي أصبحت موضة سياسية واجتماعية عمت المنطقة من شرقها إلى غربها،

وأصبح مبدأ عدم التعايش العنوان العريض للمنطقة في ظل مفردات هذا كافر وهذا رافضي. والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذه الفترة، هل سيحاصر المسلمون في تاريخهم كما هم محاصرون في الجغرافيا؟ أم سيكون لصوت العقل والمنطق مكان؟