يرصد هانز بليكس المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية ورئيس مفتشي الأمم المتحدة السابق في العراق من 2000 إلى 2003، فوارق في الموقف الأميركي من إيران وكوريا الشمالية في المسألة النووية. يشير بليكس إلى فارق اساسي هو ان واشنطن تقبل بمفاوضات مع كوريا الشمالية دون شروط مسبقة في حين ان واشنطن والأوروبيين يشترطون على إيران وقف تخصيب اليورانيوم كشرط أساسي قبل بداية المفاوضات. (هانز بليكس، نووي إيران وكوريا الشمالية: هناك فرق ـ الشرق الأوسط 22 فبراير).

وفي الوقت الذي يرى فيه بليكس ان الولايات المتحدة مستعدة لتقديم ضمانات امنية لكوريا الشمالية، فإنها لم تعرض اية ضمانات أمنية لإيران معلقا «ربما يشعر الإيرانيون باعتزاز لكي يطلبوا ذلك (الضمانات الأمنية) لكن الولايات المتحدة لم تتقدم بها». ويخلص إلى ان إيران «خصبت كمية محدودة من اليوارنيوم وأمامها طريق طويل لإنتاج القنبلة ربما سنوات، اما كوريا الشمالية فقد أجرت تجربة نووية ومع ذلك استمرت المحادثات».

هل ثمة فارق لم يستوقف بليكس هو أين تقع كوريا الشمالية وأين تقع إيران؟ ربما يفسر الموقع الجغرافي سر هذا الاندفاع نحو المواجهة في منطقة الخليج. ها قد نطقنا بالسر، فأحد اهم الفوارق ان مسرح الصراع مختلف تماما لأننا هنا نتحدث عن اكثر المناطق اهمية في الاستراتيجية الأميركية والغربية، البحيرة التي لا يسمح لأي قوة اقليمية او دولية بالسيطرة عليها او ممارسة اي نوع من أنواع النفوذ الذي يهدد إمدادات النفط ولا الاحتياطيات القابعة في باطنها.

يمكن رصد الفوارق أيضا مع بلدين اثنين في النادي النووي، الهند وباكستان. فالبلدان واصلا برنامجهما النووي بمثابرة وهدوء، لكن الموقف الأميركي تدرج من القطيعة إلى التعاون مع كلا البلدين بدرجات متفاوتة. وسنوات العقاب الطويل التي عاشتها باكستان والضغوط الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة عليها منذ سبعينات القرن العشرين الماضي، لم تفلح في دفع باكستان للتخلي عن برنامجها النووي

بل انها أثمرت بالنهاية تحالفا مليئا بكل أشكال الالتباس بين واشنطن وإسلام اباد عندما تغيرت أولويات السياسة الأميركية بعد 11 سبتمبر وباتت باكستان حليفا لا غنى عنه في هذه الحرب المعولمة. لكن مقارنة بليكس التي تنصب على رصد الموقف الأميركي والغربي من إيران وكوريا الشمالية جديرة بأن تدفعنا لمقارنة أخرى بين هذه الدول الساعية إلى التكنولوجيا النووية او السلاح النووي.

ثمة فوارق لافتة بين الطريقة التي اعتمدتها كل هذه الدول في سعيها لامتلاك أسلحة نووية بدءاً من كوريا الشمالية مرورا بالهند وباكستان والعراق وحاليا إيران. ان الهند وباكستان وكوريا الشمالية يجمعها قاسم مشترك في الطرق والأساليب التي اعتمدتها في سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وتبدو ايران اكثر شبها بالعراق في الطريقة التي دفعتها للإعلان عن قدراتها وبرنامجها في هذا الميدان.

في العام 1974 أعلنت رئيسة وزراء الهند الراحلة انديرا غاندي ان الهند أجرت تجربة ذرية في صحراء راجستان، فما كان من شأن هذا الإعلان سوى دق ناقوس الخطر في اسلام اباد. وترجم الإحساس بالخطر لدى الباكستانيين نفسه في ذلك المشهد المثير الذي مزق فيه رئيس وزراء باكستان الأسبق ذو الفقار علي بوتو معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في جلسة للأمم المتحدة.

أيقن العالم وقتها ان الباكستانيين سيسعون بكل الطرق للحصول على سلاح نووي، وخضعت باكستان لعقوبات قاسية من قبل الولايات المتحدة لمساعيها هذه، لكن لن يقيض للعالم ان يعرف ان الباكستانيين امتلكوا التكنولوجيا اللازمة لصنع الأسلحة النووية إلا في العام 1998 . من المهم جدا ادراك الطريقة والظروف التي أعلنت فيها باكستان امتلاكها للتكنولوجيا والسلاح النووي.

فبعد حوالي أسبوع من إعلان الهند في العام نفسه إجراءها تجارب نووية، اعلنت باكستان انها أجرت 8 تجارب نووية وبتقنيات متقدمة عن تلك المستخدمة في التجربة الهندية. فوجئ العالم واعترفت الولايات المتحدة بفشلها في التنبؤ بالتجربتين الهندية والباكستانية، وكان البلدان حتى ذلك الوقت قد امتلكا أيضا مخزونا من الصواريخ المطورة محليا.

الكوريون الشماليون ظلوا في عزلتهم يطورون صواريخهم وقدراتهم النووية بصمت شديد لكن إيران تشكل طريقا آخر. تم بطريقة احتفالية إعلان الرئيس الإيراني احمدي نجاد نجاح إيران في تخصيب اليورانيوم باعتباره انجازا قوميا، كما جاء الإعلان عن نجاح إيران في تخصيب اليورانيوم في ذروة ضغوط أوروبية وأميركية لمنعها من تخصيب اليورانيوم. وفي كل الأحوال فإن إيران تحتاج لسنوات قبل الوصول إلى امكانية تصنيع سلاح نووي.

ولن ينفع التأكيد على ان المنطق الأميركي يستند إلى المعايير المزدوجة او منطق القوة والهيمنة، فالمقارنة بين سلوك هذه الدول فيما يتعلق بسعيها لامتلاك السلاح النووي أو التكنولوجيا النووية ليس سوى محاولة لاستقراء الطريقة التي تسعى فيها لتغيير قواعد اللعبة وموازين القوة. هنا بالضبط تتبين الأهمية الاستثنائية لمنطقة الخليج عن شبه القارة الهندية والشرق الأقصى.

فالحديث عن الطموحات الاقليمية لكوريا الشمالية والهند وباكستان قد لا يعني القيمة نفسها في حالة ايران. ففي شبه القارة الهندية والشرق الأقصى ثمة قوة اخرى هي الصين وهي قوة لا يمكن لحسابات الهند وباكستان وكوريا الشمالية ان تخطئها كثيرا لأنها تلعب دورا كبيرا في الحد من الطموحات الإقليمية لكل من كوريا الشمالية والهند وباكستان، ناهيك عن اثنتين من هذه الدول حليفة بشكل او آخر للصين وهو ما يجعلها تلعب دور الضامن في اي اتفاق او ترتيبات اقليمية.

هنا يتضح تأثير احد الفروقات المهمة بين الوضع في الشرق الأقصى وشبه القارة الهندية، الأمر مختلف جدا في منطقة الخليج لأنها منطقة نفوذ اميركية بالدرجة الأولى وأهميتها الاستراتيجية تجعل خيارات الأميركيين أقل ميلا للدبلوماسية وأكثر اندفاعا نحو القوة. إن طموحات إيران في الميدان النووي مرتبطة بشكل عضوي بطموحات سياسية اقليمية أيضا.

وفي الوقت نفسه فإن طريقة بناء الحشد ضد إيران حاليا لا تقود إلا إلى خيار وحيد هو الحرب. حرب لا تحتاجها المنطقة أبدا، لكن إبقاءها ضمن الهيمنة الأميركية لا يعني سوى خوض حرب في كل عقد لكي تدفع شعوبها فاتورة طموحات إقليمية ودولية.

كاتب وصحافي بحريني