قرار توني بلير بسحب القوات البريطانية من العراق وفق جدول زمني يبدأ في مارس ـ أبريل، هو بمثابة هبوط اضطراري. فقد اتخذ بلير هذا القرار الكبير تحت وطأة تهديد بأنه على وشك أن يخسر منصبه، ليس كرئيس حكومة فحسب، بل أيضاً كزعيم لحزبه الحاكم.

هكذا تنضم بريطانيا إلى غالبية حلفاء الولايات المتحدة الآخرين الذين يدفعون ثمن توريط أنفسهم في «الحرب الأميركية على الإرهاب»، دون أن يسألوا جورج بوش: ما هو تعريف الإرهاب، وهل لهذه الحرب حدود جغرافية أو حدود زمنية؟

باسم الحرب على الإرهاب قادت الولايات المتحدة حلفاءها إلى مستنقع العراق، وقبل ذلك إلى مستنقع أفغانستان، لكيتشفوا لاحقاً أنهم تورطوا أيضاً في الحرب الاستخباراتية القذرة التي اشتملت فصولها المتوالية على ملاحقات أمنية واعتقالات واغتيالات وسجون سرية في أنحاء العالم، في انتهاكات صريحة لمبادئ القانون الدولي.

من بين الحلفاء الرئيسيين فطنت دولتان أوروبيتان ـ فرنسا وألمانيا ـ منذ الوهلة الأولى إلى العواقب المتوقعة، فعارضتا علناً وبقوة حملة الغزو الأميركي على العراق. وفي إسبانيا سقطت حكومة أزنار لأن جمهور الناخبين أيدوا حزب معارضة دخل المنافسة الانتخابية على أساس شعار الانسحاب من العراق، وقد كان. فقد كان أول بند على جدول أعمال حكومة ثاباتيرو هو سحب القوات الإسبانية من المسرح العراقي الفوضوي.

الآن وبعد الانسحاب البريطاني المجدول يأتي دور كل من اليابان وأستراليا. ففي طوكيو لا يدع وزير الدفاع مناسبة تمر دون التنديد بالحرب الأميركية في العراق واصفاً جورج بوش بالغباء. وهو غضب ياباني متصاعد يترجم مشاعر شعبية تتنامى ضد الوجود العسكري الأميركي على الأراضي اليابانية ذاتها.

أما في أستراليا فإن حكومة هوارد تجد نفسها في مواجهة تذمر شعبي، مما يهدد بسقوط الحزب الحاكم في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها خلال بضعة شهور.وفي العاصمتين، طوكيو وسيدني، لم يحظ نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بترحيب يليق بدولة عظمى من المفترض أنها حليف أكبر.

تقول صحيفة «ذي أستراليان» الموقرة التي تصدر في سيدني إن هوارد «أسير سياسة عسكرية خاطئة يقودها رئيس أميركي يعاني ضعفاً».هذه السياسة انتهت برئيس الحكومة الأسترالية إلى حرج مزدوج. فهو من ناحية لا يستطيع سحب القوات الأسترالية من العراق، لأنه بذلك يقر عملياً بخطأ انقياده لواشنطن. ومن ناحية ثانية تواجهه معضلة مواطن أسترالي محتجز في معسكر غوانتنامو الأميركي لمدى أكثر من خمس سنوات.

تحت الضغط الشعبي المتصاعد بقيادة حزب المعارضة، أصبح هوارد مطالباً بممارسة ضغوط على الإدارة الأميركية لتطلق سراح المواطن ديفيد هيكس أو تقدمه إلى محاكمة. ولكن بينما طالب هوارد واشنطن بالفعل بالاستجابة للرغبة الشعبية الأسترالية، فإنه ليس بوسعه تشديد هذه المطالبة، لأن إدارة بوش ستذكره بأنه كان في مقدمة المؤيدين لفكرة إقامة المعسكر سيء السمعة.

هكذا يدفع حلفاء أميركا أخيراً ثمن تحالفهم مع الدولة العظمى في سياق المشاركة الناشطة في حرب على «الإرهاب»، ليس لها مسرح محدد أو مدى زمني معين.وبهذه الصفة القبيحة فإنها حرب تهدد سلام العالم بأسره، كما يقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.ويبدو أن حلفاء الولايات المتحدة أصبحوا الآن يدركون هذه الحقيقة وما يترتب عليها من تبعات.