مع نهاية المهلة التي حددتها وكالة الطاقة الدولية لايران لوقف تخصيب اليورانيوم يحبس العالم أنفاسه.وتتجه الانظار الى مجلس الامن الذي سيبت في المسألة وهل يكتفي بقرار يفرض عقوبات اقتصادية على ايران.أم يتعدى ذلك الى توفير غطاء «قانوني وأخلاقي» لخطوات عسكرية يبدو أنها صارت أكثر من جدية لدى الادارة الامريكية.خاصة بعد تواتر أنباء مفادها ان واشنطن قد أكملت حشودها العسكرية وحددت الاهداف المرشحة للضرب.

فهل نحن إزاء الفصل الأخير من مسلسل «الاحتواء المزدوج» للعراق وايران؟ هذا المسلسل الذي انطلق في مطلع الثمانينات بحرب دامية بين البلدين عصفت بأرواح مئات آلاف البشر ومئات المليارات من الدولارات؟ لكنه ورغم ذلك لم يحقق الهدف المنشود أميركيا واسرائيليا.

فلقد خرج البلدان ـ العراق وايران ـ من حرب الثمانية أعوام مثخنين بكثير من الجراح البشرية والمشاكل الاقتصادية.لكنهما خرجا في المقابل بقاعدة علمية متطورة مكّنتهما من تطوير صناعات حربية ومن ولوج دنيا التعاطي مع النووي وإن كان لـ «الاغراض السلمية».

أمام هذا الفشل الذريع لسياسة الاحتواء المزدوج والتي اعتمدت على احداث تصادم مرعب بين القوتين الاقليميتين بهدف استنزاف قدراتهما واضعافهما بشكل يضمن كسر شوكتهما ويمكّن من استيعابها واقصاء خطرهما على اسرائيل.

أمام هذا الفشل تقرر المرور الى الحلقة الثانية من المسلسل ممثلا في تدمير العراق واحتلاله والقضاء على قيادته التي ترفع راية مشروع نهضة علمية عربية وتصرخ بعروبة فلسطين من النهر الى البحر.بل تصل بها الجرأة حد دكّ اسرائيل بالصواريخ والمجاهرة بدعم المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي.

وهو ما تم فعلا من باب تهيئة الظروف لما سمي «الشرق الأوسط الكبير أو الجديد» والمعتمد على العراق كقاعدة انطلاق لـ «اعادة التشكيل».وأيضا من باب تخليص اسرائيل من خطر استراتيجي وهو ما باحت به السيدة رايس قبل شهر لثلة من الصحفيين.

وعودة الى ايران، هل نحن اليوم أمام الحلقة الثالثة من مسلسل الاحتواء المزدوج خدمة لنفس الأهداف التي ذبح من أجلها العراق؟ كل المؤشرات تفيد بأن ادارة بوش التي سحبت العصا الغليظة ماضية في استخدامها حتى الآخر قبل ان تسلم المشعل لادارة جديدة قد تكون ديمقراطية وقد تتسلم مفاتيح الهيمنة على العالم لقرن أو لألفية كما تخطط لذلك أميركا.

بكل تأكيد يبقى الخيار العسكري واردا لتصفية المشروع النووي الايراني وان كانت اميركاوحلفاؤها يفضلون تحقيق هذاالهدف بالضغوط السياسيةوالاقتصادية. ذلك أن المنطقة في «شرع» المخطط الأميركي ـ الاسرائيلي لا تتسع لوجود قوة نووية الى جانب اسرائيل وان كانت ايران تصرخ ليلا ونهارا بأن برنامجها سلمي بالكامل.

لذلك فإن ايران تجد نفسها في عنق الزجاجة وقد تشرب من نفس الكأس التي شرب منها العراق (بمساعدة ايرانية) وان كان سيناريو الغزو البري مستبعدا بالنظر الى ورطة العراق.وقد تغرق في عقوبات اقتصادية سوف لن ترفع الا متى قطفت رأس ـ النووي الايراني ـ الذي تطلبه ادارة بوش خدمة لـ «الشرق الاوسط الجديد»، وضمانا لـ «أمن اسرائيل».وهذه تحديات لا نعتقد انها تغيب عن القيادة الايرانية وعلى أسلوبها في ادارة الأزمة مع أميركا والغرب.