رغم الأضرار السياسية التي قد يلحقها توقيت إعلان رئيس الوزراء البريطاني عن سحب جزء من قواته من العراق فإن قراءة أكثر شمولاً للموقف البريطاني تظهره متوافقاً مع خطة استراتيجية عامة اتبعتها الحكومة البريطانية منذ بداية الحرب، بالإضافة إلى الأسباب الميدانية والداخلية التي دفعت باتجاه الإعلان عن هذه الخطوة في هذا التوقيت بالذات.

فحكومة بلير لم تسع في أي وقت من الأوقات لبسط نفوذها العسكري في الجنوب العراقي بالقوة، لأنها بحكم معرفتها التاريخية بالمنطقة وشعبها، كانت تعرف منذ البداية أن محاولتها ستبوء بالفشل. ولذلك تركت الساحة مفتوحة لنشاط قوات "بدر" وميليشيا "جيش المهدي" دون عوائق، طالما أن القوات البريطانية كانت في مأمن من الهجمات العسكرية عليها.

هذا بالطبع سهل عملية "التطهير العرقي" التي قامت بها هذه الميليشيات للأقلية السنية - وحتى المسيحية - التي تقطن الجنوب العراقي دون أن يخلق ذلك صراعاً على نطاق واسع، بسبب عجز هذه الأقليات عن الدفاع عن نفسها أمام قوة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.

هذه السياسة الميدانية البريطانية مكنت القوات البريطانية من تخفيض عدد قواتها في العراق بشكل كبير. فقد كانت القوات البريطانية في أبريل 2003 تقارب 46000 جندي، وتقلصت إلى 10000 جندي أو أقل منذ مايو 2004.

وهذا يعني أن القوات البريطانية كانت في الأساس تنتظر الوقت المناسب للرحيل، ولم تكن تنتظر تحقيق نصر عسكري ميداني على غرار النصر الذي تحاول القوات الأمريكية تحقيقه على "قوى الإرهاب" في مناطق مختلفة من العراق.

أما الأسباب الميدانية التي لعبت دوراً ثانوياً في توقيت القرار البريطاني فتأتي من ملاحظة القوات البريطانية على الأرض أن أي محاولة من طرفها للتدخل العسكري ضد الميليشيات المسلحة في الجنوب العراقي سيكلفها غالياً.

وبدا هذا واضحاً عندما تضاعفت خسائر الجيش البريطاني ثلاثة أضعاف خاصة من حيث عدد الجرحى، منذ أن بدأت تطبيق خطة "السندباد" الأمنية التي قال الجيش البريطاني إنها تهدف إلى "تنظيف" بعض مراكز الشرطة العراقية من عناصر الفساد.

أما السبب الداخلي للقرار البريطاني فيعود إلى تزايد الرفض الشعبي البريطاني لدور بريطانيا في الحرب على العراق وقرب نهاية عهد بلير كرئيس للوزراء، وبالتالي فإن هناك ضغوطاً مختلفة يتعرض لها من قبل أركان حزب العمل لتهيئة أجواء أكثر ملاءمة لخليفته حتى يتمكن الحزب من الاستمرار في حكم البلد والفوز بالانتخابات القادمة.

وفي جميع الأحوال فإن القرار البريطاني الذي تزامن مع القرار الدنماركي بسحب قواتها العسكرية من العراق، لابد وأنه سبب إحراجاً كبيراً لإدارة الرئيس بوش التي أعلنت منذ فترة بسيطة عن زيادة عدد قواتها في العراق لبسط الأمن على بغداد على الأقل. وربما كانت هذه مؤشرات أولية لبداية نهاية التحالف العسكري الذي شكلته واشنطن خارج إطار الأمم المتحدة إبان غزوها للعراق.