عندما انطلقت مظاهرة المليونين في بريطانيا قبل بدء الحرب على العراق اعتقد العديد من المحللين أن الحرب لن تقع، بل ذهب بعضهم إلى ابعد من ذلك ليتحدث عن تشكل قطب جديد في وجه الهيمنة الأميركية على العالم وهو الرأي العام العالمي.
استعان هؤلاء في تأكيد وجهة نظرهم بواقع أن المدة الزمنية التي تم فيها تشكل هذا الرأي العام العالمي المعادي لغزو العراق هي اقصر بكثير إذا ما قورنت بالوقت الذي استغرقه بدء التحركات المناهضة لغزو فيتنام، تلك التحركات التي اعتبرها الفيتناميون سببا أساسيا لإنهاء الحرب. لم تكن حينها قد بدأت ثورة الاتصالات والمعلومات التي سهلت إلى حد بعيد إمكانيات التواصل بين الناس حول العالم ولم تكن هناك فضائيات تنقل المعلومات والصور والتحليلات والمذابح بأسرع من البرق.
اليوم في عالمنا العربي نشهد طفرة من الفضائيات الإخبارية وغير الإخبارية. انطلقت هذه الفضائيات في ظروف كان فيها الوطن العربي يمر بأجواء سياسية تزداد سخونة يوما بعد يوم. وقد شكلت حرب الخليج الثانية والتي تمت تغطيتها من قبل محطة سي.إن.إن. الأجنبية نقطة تحول في مضمار التفكير بأهمية إقامة محطة عربية تلبي نهم المواطن العربي للأخبار.
تلقف المواطن العربي هذه الفضائيات بحماس شديد، خصوصا وان الهجمة الأميركية على المنطقة في تصاعد والتعديات في العراق وفلسطين تأخذ منحى دراماتيكيا وقد استطاعت تلك القنوات بالرغم من الفترة الزمنية القصيرة لعملها من البث من مناطق ساخنة عديدة في الوطن العربي كما تمكنت من خلق أجواء جديدة في المناخ السياسي عموما بعيدا عن القنوات الرسمية التي كانت قد فقدت بريقها.
والحال فإن تطور هذه الفضائيات جاء منسجما مع التحولات العالمية التي طبعت العصر. كانت قد برزت إلى السطح في الجانب السياسي قضايا صراع الحضارات والتطرف والإرهاب والنزاعات المحلية مقابل النزاع الإيديولوجي الذي طبع القرن العشرين، وانعكس هذا في الجانب الاقتصادي بطغيان قضايا الأعمال والأسواق المالية مقابل الخطط الاقتصادية ومكافحة الفقر ومعالجة مشاكل الشباب والمرأة كسابقة على الأجور وأنظمة معايير العمل والصرف والضمانات الاجتماعية وغيرها. والحال أننا لسنا في وارد تقييم واقع هذه الفضائيات المنتشرة في الوطن العربي، فالإعلام بحد ذاته قضية سياسية في الأساس.
وفي الواقع لم تخرج الفضائيات الإخبارية عن الهم السياسي العربي، فالتغطية الرئيسية تتم للقضايا الساخنة في الوطن العربي وهي كثيرة دون شك من فلسطين إلى العراق إلى لبنان إلى الصومال فالسودان وغيرها، وعندما انتقلت هذه الفضائيات إلى الخارج اكتفت بلقاء عرب في المهجر أو أجانب يتحدثون عن العرب والقضايا العربية، وقد عملت هذه الفضائيات على ما يبدو من واقع أن المواطن العربي لا يريد أن يسمع إلا عن قضاياه السياسية وأن الاطلاع على قضايا العالم خارج الأخبار اليومية المكررة ليس ذا أهمية.
وهناك الكثير منا ممن تابع باهتمام المظاهرات الحاشدة التي كانت تجري في انجلترا ضد الحرب على العراق أو تلك التي انتشرت في كل أنحاء العالم دعما للقضية الفلسطينية، باعتبار أن هذه الأجواء هي ضمانتنا للتغيير في السياسة العالمية ولأنها وسيلتنا في تكوين رأي عام عالمي يعكس ما تحاول بعض الأوساط السياسية بثه من مشاعر عنصرية ضد العرب.
واليوم ونحن نتابع الانتخابات الأميركية والمظاهرات الداعية لانسحاب القوات الأميركية من العراق ليس من باب الفضولية فقط، بل من قناعة أن الحل لإيقاف هذه الهجمة الأميركية ينطلق من داخل المجتمع الأميركي والأوروبي نفسه، ومن الرأي العام العالمي المؤيد لقضايانا العادلة.
وإذا كان إيجاد حلول عادلة لقضايانا يتطلب كسب التأييد العالمي لها، فمن المهم أن يكون لدينا اطلاع ومعرفة بقضايا العالم أيضا وأن نوقف عزلة المواطن العربي عنها. فالعالم حسبما يقال أصبح قرية كونية صغيرة والانفتاح على أخبار العالم لم يعد ترفا.
وتسطيح المشاكل التي يعاني منها المجتمع العربي وعزله عن محيطه العالمي لن يجدي نفعا، إنما تأثيراته السلبية ستكون الحد من الانفتاح الفعلي على الثقافات الأخرى وزيادة الهجمة الشرسة المتسترة بكل الكلام المعسول حول الحضارة والقيم العالمية. وقد يكون من الأفضل أيضا النظر إلى القضايا التي تجمعنا مع شعوب الدول الأخرى وهي كثيرة، بدل أن نستمر في النظر إلى ما يفتتنا في الداخل ويعزلنا عن الآخر.