شكل اجتماع المجلس الوطني الانتقالي للحركة الشعبية في مدينة ياي الحدودية في الأسبوع الثاني من فبراير الجاري علامة فارقة في خطط الحركة وتكتيكاتها السياسية، وهكذا ينبغي أن تكون مداولات الأجهزة التشريعية العليا في الأحزاب السياسية.

لقد ناقش المجلس أهم القضايا التي تواجه الحركة: تنفيذ اتفاقية نيفاشا، أداء الحركة في مجلس الوزراء وفي البرلمان الاتحادي، أداء حكومة الجنوب، قضية الفساد المالي، علاقات الحركة مع الأحزاب السياسية، الهيكل التنظيمي للحركة.

كان النقاش ساخنا في بعض الأحيان وحراً صريحا في كل الأوقات، واستمر لأربعة أيام كاملة حتى أوفي الأجندة المطروحة حقها من التداول. وتوصل الاجتماع إلى قرارات واضحة وحاسمة في معظم القضايا وهي تمثل تطورا ونضوجا سياسيا يستحق الإشادة.

وأنا ألمس بصورة عامة أن الإخوة الجنوبيين أكثر صراحة وصدقا في التعبير عن أنفسهم عندما يناقشون القضايا السياسية الحساسة، والذي يقرأ محضر مؤتمر رمبيك الذي عقد في نوفمبر 2004، أي قبل توقيع اتفاقية نيفاشا، يجد صراحة خشنة في مواجهة زعيم الحركة نفسه دارت حول موضوعات الانفراد بالقرار وتعطيل المؤسسات وصرف الأموال وتقريب المحاسيب وغيرها.

مثل هذه الصراحة الخشنة تعتبر من الكبائر في الأحزاب الشمالية خاصة عندما تكون في سدة الحكم، حيث يستطيع الرئيس أو الزعيم أن يمنح الحقائب الوزارية والرتب العليا في الدولة والأموال والعطاءات. لذلك لا تشكل اجتماعات الأحزاب الشمالية إضافة تذكر لخطط الحزب أو سياساته أو تكتيكاته أو تشكيل قيادته فالقصد الحقيقي من اجتماعات الأجهزة القيادية هو الوفاء بمتطلبات قانونية شكلية وعرض إعلامي وتمرين في العلاقات العامة بدعوة الحلفاء والوجهاء والأصدقاء لشهود المناسبة (التاريخية).

وينتهي المهرجان بالبصمة على كل ما يقول به الزعيم القائد، وبتثمين الأداء الرائع وغير المسبوق لحكومة الحزب، وبإجازة المرشحين الذين يقدمهم الرئيس للمواقع المختلفة (بالتهليل والتكبير)، لأن ذلك أكثر تأصيلاً من البدعة العلمانية الغربية التي تقول بالترشيح المفتوح من كل الأعضاء وبالتصويت السري لتحديد الفائزين! وتلعب المنصة دورها المتفق عليه في توزيع الفرص للمتحدثين المؤتمنين على السير في خط القيادة.

كان أهم القرارات التي أجازها الاجتماع وتمثل العلامة الفارقة في خطط الحركة هي:

* وقوف الحركة بوضوح مع وحدة السودان الطوعية والدفع الجاد في سبيل تحقيقها بكل ما في وسعها، فقد كان موقف الحركة في السابق أشبه بالالتزام الشكلي بمسألة الوحدة وإلقاء المسؤولية كاملة على عاتق المؤتمر الوطني ليجعل تلك الوحدة جاذبة لأهل الجنوب. واتبعت الحركة هذا الموقف بقرارات عملية تصب في اتجاه الوحدة مثل: نقل رئاسة تنظيم الحركة إلى الخرطوم بدلا من جوبا مما يعني أن الحركة ستكون أكثر تفاعلا مع القضايا القومية، وأن قياداتها التنظيمية بما فيهم رئيس الحركة والنائب الأول لرئيس الجمهورية سيكونون أكثر تواجداً في عاصمة البلاد؛ ضم (23) من قيادات قطاع الشمال المنتخبين من ولاياتهم للمجلس الانتقالي.

ويبدو أن الحركة فوجئت بالنجاح الشعبي الكبير الذي لقيته في مؤتمر قطاع الشمال الذي عقد مؤخراً مما يغريها بمنافسة الأحزاب الشمالية في عقر دارها، وأظنها تستطيع أن تفعل ذلك في حالة تكلس جسم الحزب الحاكم وضعف أحزاب المعارضة؛ تجديد اهتمام الحركة بحل مشكلة دارفور والسعي لجمع الحركات المسلحة وجبهة الخلاص الرافضة توقيع اتفاقية أبوجا للقاء بالفريق سلفاكير في جنوب السودان، وأن الحركة بصدد ارسال وفد إلى دارفور تمهيدا لزيارة النائب الأول لها.

* تشكيل لجنة تحقيق في بعض الوزارات الاتحادية التي اتسم أداؤها بالضعف أو بالتجاوزات التنظيمية وخروجها عن الخط السياسي للحركة على أن تفرغ اللجنة من مهمتها في غضون شهر وترفع تقريرها لقيادة الحركة التي يتسنى عليها في ضوء التقرير اجراء التعديلات الوزارية التي أوصى بها المجلس. هذا يعني أن المجلس ناقش حالات بعينها واستمع لدفوعات المسؤولين عن تلك الوزارات، ولكنه أرجأ القرار الأخير لتحقيق أكثر دقة يبرهن فيه الوزير المسؤول عن صحة دفوعاته. لعمري هذه حيوية وشفافية منعشة لم نسمع بمثلها في دهاليز المؤتمر الوطنى طيلة ثماني عشرة سنة كاملة! ذلك أحد الفوارق بين الشباب والشيخوخة السياسية.

* مواصلة التحقيق في قضية الـ (60) مليون دولار التي أرسلت للدكتور قرنق عقب توقيع اتفاقية نيفاشا لعدم حضور وزير مالية الجنوب آرثر كوين اجتماعات المجلس، على أن ترفع لجنة التحقيق توصياتها بسرعة للقيادة لاتخاذ القرارات اللازمة.

وأوصى المجلس بتقوية آليات مكافحة الفساد ممثلة في مفوضية مكافحة الفساد التي شكلت في الجنوب مؤخرا والمراجع العامة وتقوية دور البرلمان في محاربة الفساد وبسط حرية الصحافة لتقوم بدورها الرقابي المهم في هذا الجانب. وشدد المجلس على ضرب المفسدين ومحاسبتهم ولو كان بقدر مثقال ذرة.

وأعلن الرئيس سلفاكير نفسه أنه أمر بإحالة كل من يثبت تورطه في الفساد من المسؤولين في حكومة الجنوب إلى المحكمة لينال جزاءه. ولو أتبع سلفاكير قوله بالعمل لوجد تأييدا منقطع النظير من أهل الشمال والجنوب الذين شكوا لطوب الأرض من فساد الحاكمين.

قارنوا هذا القرار بموقف قيادة المؤتمر الوطني التي تطالب كل من يتحدث عن فساد فاجر (تسنده العمارات الشاهقة والعربات الفارهة والأرصدة المليارية) في أجهزة الدولة والمسؤولين فيها بأن يأتي الحكومة بالأدلة القانونية الموثقة التي تستطيع أن تدين الشخص المعني في المحاكم. وكأن الحكومة لا دخل لها في التحري عن موضوع الفساد، وكأنما أجهزتها الرقابية على المال العام هي لأغراض الديكور الإعلامي!

* فتح الاتصالات مع القوى السياسية كافة بعد ان اقتصرت علاقات الحركة منذ نيفاشا مع الحزب الحاكم بصفته الشريك الأول في تنفيذ اتفاقية نيفاشا. وبمجرد انفضاض اجتماعات مجلس الحركة في ياي بدأت قيادات الحركة في عقد لقاءات على مستوى عال مع القوى السياسية المعارضة (الاتحادي الديمقراطي والمؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي وحزب الأمة القومي).

فقد كانت هذه الأحزاب تأخذ على الحركة اتفاقاتها الثنائية مع المؤتمر الوطني وتجاهل بقية القوى السياسية بما في ذلك حلفاؤها القدامى في التجمع الوطني الديمقراطي، وجددت الحركة الحديث عن التحول الديمقراطي وهو حديث يعجب أحزاب المعارضة التي تعاني من كبت الأجهزة المختصة! ولا يعنى الانفتاح الجديد فصم العلاقة مع المؤتمر الوطني بل استهلت الحركة لقاءاتها السياسية بنائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني لمعالجة القضايا الخلافية حول تنفيذ اتفاقية السلام الشامل، وأكد سلفاكير قرب اجتماع مؤسسة الرئاسة لحسم قضية أبيي والميليشيات المسلحة في الجنوب.

أحسب أن قرارات المجلس الانتقالي للحركة ناضجة وتشكل خطوة متقدمة في منهجها وخططها السياسية، ولكن العبرة الحقيقية بالعمل الذي يصدق القول أو يكذبه، وأهل السودان عموما لا يثقون في أقوال السياسيين المعسولة!

كاتب سوداني