في 13 فبراير من سنة 1960 نفذت فرنسا تفجيرا نوويا في منطقة رقان في أقصى جنوب غرب الصحراء الجزائرية. بلغت قوة التفجير 60 كيلو طن أي ما يعادل ثلاثة أضعاف قوة القنبلة التي ألقت بها الولايات المتحدة الأميركية على هيروشيما في العام 1945. مسؤولية فرنسا في هذه الجريمة كاملة لا غبار عليها، ولا تحتاج إلى قرار إدانة. تجارب فرنسا النووية أدت إلى تلوث المنطقة برمتها في محيط 150 كيلومترا من موقع الانفجار.

نفذت فرنسا بين سنة 1960 و1966 أكثر من 20 تفجيرا نوويا على الأراضي الجزائرية، وما يزيد على 40 تجربة نووية وهذا حسب تصريح العسكريين والخبراء الفرنسيين أنفسهم. هذه الجرائم تسببت في تلويث الغلاف الجوي والموارد الطبيعية وتفشي الأمراض كالسرطان والتشوهات الخلقية وغير ذلك. والجريمة الأكبر أن السلطات الفرنسية لا تريد الاعتراف بجرائمها كعادتها، ورفضت وترفض تسليم كل المعلومات إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وحتى الساعة ما زالت ملفات التفجيرات النووية الفرنسية سرية وغير متوفرة للإطلاع عليها، حتى للمنظمات الدولية التي تشرف على المراقبة. وتجدر الإشارة هنا أنه من الناحية القانونية تعتبر التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

في الذكرى 47 لجرائم فرنسا النووية في الجزائر وفي الذكرى السوداء لأول تفجير نووي فرنسي في رقان يجتمع الأفارقة بفرنسا في قمة فرنسا-إفريقيا- في منتجع «كان» الشهير بالجنوب الفرنسي. وفي نفس الذكرى تنظم الجزائر منتدى دوليا في العاصمة الجزائر يناقش «التجارب النووية في العالم...الصحراء الجزائرية نموذجا».

قمة فرنسا- إفريقيا جاءت كمحاولة من فرنسا لاستدراك ما فاتها ومحاولة تلطيف الجو مع القارة السمراء في وقت تتكالب فيه قوى عديدة على القارة السمراء وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة الأميركية والهند والبرازيل. وفي وقت تعاني فيه القارة السمراء من العديد من الهموم والمشكلات كالفقر والجهل والأمراض والأوبئة والمديونية والنزاعات والحروب.

ما زالت تداعيات وانعكاسات الاستعمار الفرنسي في إفريقيا حاضرة حتى الساعة، وما زالت مشكلات الحدود وأزمة الهوية والخلل الاقتصادي والتبعية الثقافية تحاصر العديد من الدول الإفريقية.

فرنسا تخلت عن مستعمراتها وتركتها في دوامة من التبعية ومن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. كما فشلت فرنسا في وضع استراتيجية جديدة للتعامل مع مستعمراتها وخطة عمل تتماشى مع المعطيات الجديدة في العالم. هذا الوضع فتح المجال أمام قوى فاعلة في النظام الدولي كالولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا للاستفادة من الفراغ الفرنسي في القارة السمراء.

الغريب والعجيب في الأمر أن فرنسا وبعد مرور ما يزيد على أربعة عقود من جرائمها في مستعمراتها السابقة في القارة السمراء ما زالت مصممة على عدم الاعتراف بما فعلته وعلى عدم الاعتذار. ومن جهة أخرى تصر على المحافظة على نفوذها في مستعمراتها والاستفادة من الامتيازات والتسهيلات والمجاملات في التعامل.

يطرح منتدى الجزائر مشكلة خطيرة جدا تتمثل في تنفيذ الاستعمار الفرنسي أكثر من 20 تفجيرا نوويا ما بين عام 1960 و1966 على الأراضي الجزائرية وما سببته تلك التفجيرات من آثار سلبية على البيئة وعلى الإنسان في مناطق شاسعة من جنوب غرب ووسط الصحراء الجزائرية. للتذكير فقط، قصة فرنسا مع الجرائم النووية لم تخص الجزائر فقط وإنما بولينيزيا الفرنسية عاشت نفس الويلات والتجارب.

منتدى الجزائر تطرق لمشكلة التجارب النووية ليس في الجزائر فقط، وإنما في مختلف أنحاء العالم بهدف الوصول إلى آليات عملية من شأنها أن تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات لمعالجة التداعيات والانعكاسات الخطيرة التي عانت وتعاني منها المناطق التي شهدت وعاشت تلك الجرائم النووية.

فالعالم بحاجة لمعرفة هذه الجرائم ومن واجب القانون الدولي معاقبة المجرمين وإرغامهم على دفع التعويضات والقيام باللازم من أجل التخلص من الأوبئة والأمراض والتلوث البيئي التي سببته تلك التجارب.

التناقض الصارخ الذي نلاحظه في عصر التناقضات والتضليل والتزييف والكيل بمكيالين، هو أن فرنسا تجتمع في «كان» لمناقشة ملفات التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري والثقافي والعلمي مع دول القارة السمراء، وتمارس ضغوطا كبيرة على إيران بشأن ملفها النووي، وترفض في نفس الوقت وعلى لسان وزير خارجيتها فيليب دوست بلازي الاعتراف بجرائمها في مستعمراتها السابقة.

المسؤولون الفرنسيون يصرحون أن التجارب النووية في الصحراء الجزائرية «نظيفة» ولم تعرّض السكان والبيئة للإشعاعات ولأي نوع من الأمراض والانعكاسات السلبية.

هذا الموقف من قبل بلد «الحرية والمساواة والأخوة» يذكرنا بقانون فرنسي يّمجد الإستعمار ويثني على الإيجابيات التي قدمها للمستعمرات. ألم ينّظر جول فيري ويقول إن الله خلق نوعين من البشر، نوع يوجد في الشمال خُلق ليسيطر ويقود النوع الثاني من البشر الذي يوجد في الجنوب. وحسب نظرية المنظر الفرنسي للإستعمار، الأوروبيون خُلقوا ليستعمروا الشعوب الأخرى حتى يعلموها الحضارة والتمدن والتطور.

يطرح منتدى الجزائر حول التجارب النووية في العالم إشكالا مهما جدا، لكن لكونه يهم المغلوب على أمرهم ويحرج القوى الفاعلة في النظام الدولي ويضعها أمام مسؤولياتها وأمام الجرائم التي ارتكبتها، هذه القوى التي كانت بالأمس قوى غاشمة ظالمة، مستعمرة فإنه لم يحظ بالاهتمام اللازم سواء من قبل وسائل الإعلام العالمية أو المنظات الدولية.

فمن حق الجزائر ومن واجب الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تفرض على فرنسا تقديم خريطة التفجيرات بالتفصيل ومساعدة الجزائر تقنيا ولوجستيا وماديا لمعالجة الأضرار ومواجهة الموقف وتذليل مخاطر الإشعاعات. على فرنسا كذلك دفع تعويضات للجزائر وللمتضررين من الجرائم النووية التي ارتكبتها.

المنطقة التي شهدت التجارب النووية بحاجة إلى دراسة للوقوف على الأضرار وتحديد الطرق والوسائل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. مشكلة التجارب النووية في العالم وخاصة تلك التي أُجريت من قبل القوى الإستعمارية الغاشمة تحتاج إلى شبكة دولية تضم هيئات ومنظمات وجمعيات تهتم بالآثار السلبية والانعكاسات المختلفة على الإنسان والبيئة والمحيط.

على المجتمع الدولي كذلك الإهتمام بالموضوع والعمل على إدارة هذه المناطق التي تعاني من التلوث الإشعاعي النووي الناتج عن التجارب النووية التي ارتكبها الاستعمار.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae