نسمع عن جميع أنواع الحلول لإنهاء الهجرة غير الشرعية لأميركا. بناء سور! تعزيز أمن الحدود! تغريم أصحاب الأعمال الذين يستقطبون مهاجرين غير شرعيين وإطلاق برنامج ضخم للعمال الأجانب. أو حتى يمكن لأميركا أن تصر على وجود بطاقات هوية غير قابلة للتلاعب أو التزوير، بل ويمكن أن تلجأ لاعتقال هؤلاء أو ترحيلهم أو حتى لعفو العام عن بعض المهاجرين غير الشرعيين ـ أو يمكن اللجوء لكل تلك الإجراءات حزمة واحدة.
غير أن الحل في النهاية يكمن في الأمل في أن تصبح بلدة مثل تيجوانا المكسيكية مزدهرة مثل مدينة سان دييغو الأميركية، وهما المدينتان اللتان لا تفصلهما سوى أميال معدودة ولكنهما عالمان مختلفان.
على الرغم من كل هذا نجد أن بلدا مثل هونغ كونغ اعتاد أن يكون جاذباً للمهاجرين غير الشرعيين الذين يتدفقون إليه من الصين الفقيرة المجاورة. غير أن الصين لم تعد كذلك الآن؛ فشنغهاي على سبيل المثال أصبحت في غضون عقدين من الزمن تتمتع بدرجة الثراء ذاتها التي تتمتع بها المستعمرة البريطانية القديمة، هونغ كونغ.
أهل برلين إبان الحقبة الشيوعية تعودوا على المخاطرة بحياتهم في سبيل عبور السور والانتقال للعيش في الغرب. والآن يجري إنفاق واستثمار مليارات الدولارات لإعادة تأهيل النصف الشرقي لعاصمة ألمانيا الموحدة. في الماضي كان العمال الفقراء يرحلون من اسبانيا الشمولية الكاثوليكية ذات الاقتصاد الزراعي إلى الشمال متجهين إلى ألمانيا الصناعية الأكثر ديمقراطية والمسيطرة عليها الديانة البروتستانتية وكذلك إلى فرنسا بحثا عن فرص العمل. أما الآن فمعدلات النمو الاقتصادي في اسبانيا تضاهي مثيلاتها في جيرانها الشماليين.
في كل حالة من تلك الحالات، يتبين أن المناطق التي كانت فقيرة وتجاور مجتمعات أكثر ثراءً قد استطاعت عن طريق التقليد أو الإكراه أو الاستيعاب داخل دولة مجاورة ثرية أن تحرر أنظمتها الاقتصادية بشكل جذري. ومع وجود وظائف ورأس مال وفير لا يقل عن الموجود في الخارج، لا يفضل إلا القليلون الهجرة إلى دول أخرى.
وحالما تقلد المكسيك تلك الدول، فإن علاقتها بالولايات المتحدة ستتشابه بعلاقتنا مع كندا. وهذا ينبغي أن يكون هدفنا. فاقتصاد كندا ونظامها السياسي يشابهان إلى حد كبير مثيلاهما في أميركا ومن ثم فإنك تجد أن عدد الكنديين الذين يأتون إلى أميركا قليل أو يماثل عدد الأميركيين الذين يذهبون إلى كندا. وبكل المعايير لا يمكن أن يكون الطقس ولا الساحل ولا الأراضي الزراعية في كندا في جمال وروعة مثيلاتها في المكسيك. ولكن على الرغم من ذلك فإن إجمالي الناتج المحلي بالنسبة للفرد في المكسيك لا يساوي سوى ربع مثيله في الولايات المتحدة. والرواتب في المكسيك أقل من مثيلاتها في أميركا بكثير. ومن ثم فلا جرم أن يأتي المكسيكيون إلى هنا بالملايين.
إذاً كيف يمكن أن يضاهي الاقتصاد المكسيكي مثيله الأميركي؟
يجب على الحكومة المكسيكية أن تبدأ ببيع المشروعات الحكومية الخاسرة لاسيما في مجال النفط والغاز. ويتعين عليها توفير حماية أكبر لحقوق الملكية.ويجب على المكسيك أن تتوقف عن الشعارات القومية البالية وترحب بالاستثمار الأجنبي وتؤسس نظاما قضائيا شفافا وتسمح بتداول وبيع الأراضي.
والأهم من ذلك كله، يتعين على الحكومة المكسيكية أن تضع حدا للفساد المستشري في البلاد والذي يُبعد المستثمرين الأجانب الذين لولا هذا الفساد لأتوا إلى المكسيك بمشروعات كبيرة تخلق فرص عمل لا حصر لها.
لا مجال أمام المكسيك كي تنضم لأميركا كما كانت الحال مع ألمانيا الشرقية. فأميركا لن تشكل اتحادا قاريا كما فعلت أوروبا، وهو الاتحاد الذي أفاد اسبانيا بشكل كبير. كما لا يمكننا التعويل على النخبة المكسيكية الراضية بالأمر الواقع كي تقتنع بأنها يمكن أن تزداد ثراء عن طريق تحرير الاقتصاد والتخلص من المعوقات الإدارية والتنافس في السوق العالمية كما فعلت الصين. فالقادة الصينية لم يغيروا أسلوبهم إلا بعد أن رأوا انهيار الاتحاد السوفييتي. وبالتالي لم يكن لديهم خيار آخر.
إذاً ماذا يمكن لأميركا أن تفعل؟
تقديم المساعدة والحب القاسي.
إن تقديم حوافز تجارية تفضيلية للمكسيك هو أمر أقل تكلفة على المدى البعيد من تكلفة التعامل مع المشكلات الاجتماعية التي تتسبب فيها الهجرة غير الشرعية والعواقب الاقتصادية المتمثلة في مليارات الدولارات التي يبعث بها العمال المكسيكيون إلى بلادهم . فاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية على الرغم من حالة الجدل التي أثارتها قد ساعدت على تقليص معدلات الفقر بشكل عام في المكسيك ورفعت من إجمالي الناتج المحلي.
وبإغلاقها الحدود ، فإن الولايات المتحدة ستتوقف عن دعم قصة الفشل المكسيكي. ففي الوقت الحالي يحدث أن العمال يأتون لأميركا ليس من أجل الرواتب العالية فحسب وإنما يأتون ويحدوهم الأمل في أن دخلهم النقدي سيكون غالبا معفيا من الضرائب وسيزداد بالرعاية الصحية التي توفرها الدولة فضلا عن بدل السكن والتعليم. وبالمعايير الاقتصادية فإن ذلك يعني أن الاقتصاد الأميركي يقوم بدعم العاطلين عن العمل في المكسيك بملايين الدولارات وذلك من خلال العشرين مليار دولار التي يرسلها العمال المكسيكيون إلى ذويهم. هذه الأموال تُضعف من حافز العمل لدى ملايين المكسيكيين الموجودين في بلادهم، وتثنيهم عن مطالبة حكومتهم بالإصلاح.
في النهاية ينبغي القول إننا بحاجة إلى الصدق في التعامل مع المشكلة. فالمكسيك تتخفى وراء قناع الدولة الثورية الشيوعية المتخمة بالشعارات الراديكالية التي تعود إلى أيام إميليانو زاباتا وبانشو فيلا.
وفي حقيقة الأمر فإن عقيدة مكسيكو سيتي هي الإيمان برأي النخبوية على حساب عامة الشعب إلى جانب المحسوبية المتحجرة. والقلة التي تستولي على جميع المميزات قد أضرت بملايين المواطنين العاملين الذين يستحقون معاملة إنسانية أفضل بكثير وفي بعض الأحيان لا يجدون هذه المعاملة إلا هنا في أميركا.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»، خاص لـ«البيان»