أخيرا قرر توني بلير رئيس الوزراء البريطاني تخفيض عدد قوات بلاده في العراق 1600 جندي خلال شهر ابريل المقبل، في إطار خفض تدريجي لهذه القوة حتى عام 2008. الخطوة البريطانية التي طال انتظارها، تزامنت معها خطوات أخرى لبعض دول التحالف، حيث أعلنت الدانمارك ولتوانيا أنهما ستسحبان قواتهما من العراق خلال الصيف المقبل.
ورغم أن الصحف البريطانية والمحللين رأوا في خطوة بلير هزيمة له شخصيا، فإن واشنطن سارعت إلى نفي (تآكل التحالف الذي تقوده بالعراق، وقالت إن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح).
وبغض النظر عن الرؤية الأميركية لخطوة بلير الذي طالما وقف مساندا وداعما لصديقه بوش وأرسل قوات بلاده إلى العراق بمبررات واهية، فإن الأهم الآن في نظر المراقبين هو كيف سيكون عليه الوضع بعد انسحاب القوات البريطانية من جنوب العراق. وإذا كانت واشنطن مازالت تصر على تماسك موقف دول التحالف من العراق، فكيف يمكن لها أن تبرر إقدام أوثق حلفائها على تلك الخطوة؟
لقد جاءت خطوة بلير ـ وبغض النظر عن دوافعها ـ لتتناقض تماما مع توجه الرئيس بوش الذي يرى ضرورة زيادة القوات الأميركية بالعراق لتحقيق ما يسميه الأمن هناك. ومن المفارقات أن تأتي خطوة بلير بخفض عدد القوات البريطانية في العراق، في الوقت الذي يزداد فيه الوضع الأمني اضطرابا رغم الحديث المستمر عن خطة بغداد.
بالتأكيد لبلير حساباته ورؤيته التي أقدم من خلالها على تلك الخطوة، وهي دوافع تتعلق بالإرث السياسي مع تركه قريبا كرسيه في (عشرة داوننغ ستريت)، وبالتأكيد هناك علاقة بين هذه الخطوة والضغوط الهائلة التي يتعرض لها من الداخل حول أمن القوات البريطانية فى جنوب العراق وتزايد احتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران بسبب البرنامج النووي الإيراني.
ورغم خطوة بلير بخفض قوات بلاده فى العراق، إلا أن تداعيات مشاركة قوات بلاده فى الحرب دون سند أو مسوغ قانوني، مازالت ماثلة أمام العيان. وفي هذا السياق قالت صحيفة الإندبندنت اليسارية (إن الخفض الجزئي للوجود العسكري البريطاني في العراق سيضاف إلى عار غزو لم يتم التفكير فيه بشكل جيد). مراقبون آخرون أكدوا انه كان الأجدر ببلير الابتعاد عن السياسة المدمرة التي يتبعها صديقه بوش فى الشرق الأوسط، ويحاول بدلا من ذلك، تحريك المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتحسين العلاقات بين الغرب وإيران.
وفى النهاية يخلص المراقبون إلى القول ان خطوة بلير وموقف الدانمارك ولتوانيا يؤكدان بجلاء أن التحالف بدا غير متماسك، وأن الحلفاء بدأوا يدركون خطورة مشاركتهم في الحرب على العراق في ظل الفشل الأمني الواضح هناك.
كما حذر المراقبون أنفسهم من خطورة اندلاع حروب أهلية في عدة مدن عراقية على أساس طائفي، خاصة أن القرار البريطاني يقضي بتسليم المواقع المنسحبة منها لقوات عراقية لم تثبت بعد مقدرتها على تنفيذ تلك المهمة، يضاف إلى كل ذلك ما يشهده العراق حاليا من عمليات قتل طائفي وانتهاك للأعراض وسقوط للمروحيات الأميركية أسبوعيا.
الأمر الذي يؤكد أن الإدارة الأميركية لا تملك برنامجا واضحا في العراق، وأن عمليات إعادة الأعمار قد تبخرت ولم يبق فى جعبة بوش إلا الخطط الأمنية التي كثرت أسماؤها وقلت فاعليتها، وليت واشنطن تعي الدرس وتعترف بخطاياها في العراق.
haniihanii@hotmail.com