ينطوي المشهد على مفارقة صاخبة: جورج بوش يزيد عدد قواته في العراق؛ وتوني بلير يخفضها. الأول يرفض تحديد أي سقف زمني لتواجد قواته العسكرية فوق أرض الرافدين. الثاني يقوم بجدولة تواجد قواته هناك.
أهمية هذا التطور، أنه يحمل الكثير من العناوين والأبعاد التي تتجاوز حجمه المباشر. المفاجئ والغريب فيه أنه أتى متضارباً مع التوجه الأميركي؛ لأول مرة منذ احتلال العراق.
المقاربة الأميركية البريطانية وبالتحديد بين بوش وبلير، في هذا الخصوص، كانت من البداية متطابقة حكمها خط بياني طردي باستمرار. فجأة تحوّل إلى خط عكسي. على الأقل بقدر ما توحي به خطوة بلير، أول أمس، وتوقيتها. فعندما يقرر تقليص القوة البريطانية، ـ إلى أربعة آلاف في آخر العام الجاري، من أصل سبعة آلاف ومئة جندي، على أن تبقى داخل ثكناتها قرب البصرة ـ، في ذات الوقت الذي يقرر فيه حليفه الأساسي جورج بوش زجّ ألوف إضافية من القوات الأميركية في المعركة الأمنية الدائرة هناك؛ فعندئذٍ من الصعب اعتبار ما جرى صدفة. ومن الأصعب عدم النظر إليه من زاوية كونه إعلان افتراق بريطاني عن سياسة بوش العراقية. من هنا: قرار بلير احتل واجهة الاهتمامات والمداولات السياسية والإعلامية في كل مكان. أخذ حجم التطور من العيار الثقيل. علماً بأن حجم القوات البريطانية في العراق لا يوازي أكثر من واحد على عشرين من القوات الأميركية هناك، وهي عسكرياً لا تلعب الدور المقرر. ولا حتى جزءاً منه. ليست في قلب المعركة. ترابط في منطقة البصرة، التي بقيت نسبياً الأكثر هدوءاً مع ذلك كان للخطوة وقعها الكبير، الذي عكسته ردود الفعل العديدة والتي تقاطعت عند الاعتقاد بأن بلير تسبب في ذلك بالمزيد من الأذى لحليفه الأميركي.
الإدارة الأميركية سارعت إلى إضفاء الطابع العادي على القرار البريطاني؛ من خلال اعتباره «مؤشراً» على تحسّن الأوضاع في العراق؛ بحيث سمح ذلك بالجدولة البريطانية! لكن هذا الكلام يحجب الكثير من عدم الارتياح. فكيف يمكن لواشنطن ان لا تنزعج من هكذا تطور يأتي في عزّ الحصار الداخلي المتزايد على الرئيس بوش؛ بسبب سياسته العراقية؟
لاسيما وأن القرار يصدر عن أهم حليف له في حربه على العراق.
لقد وضع بلير كل رصيده بالميزان، ودفع الثمن، دفاعاً عن تلك الحرب ووقوفاً إلى جانب البيت الأبيض، فيها. وهو نفسه اليوم، يقوم بما يبدو أنه تراجع، إذا لم يكن أكثر، عن تلك الشراكة. طبعاً بلير له حساباته واعتباراته الخاصة فهو على وشك مغادرته لمنصبه. رصيده بسبب حرب العراق وصل إلى الحضيض. ربما يقوم الآن بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الرصيد لكن لذلك ثمنه وانعكاساته؛ سواء على صعيد «التحالف الذي طالما أكد الرئيس بوش على اتساعه وتماسكه. كما انه، استطراداً، لابدّ وأن يزيد من عزلة سيد البيت الابيض؛ بخصوص العراق. سيما وان خطوة بلير «جاءت من دون تنسيق مع واشنطن» كما يقول الخبير الأميركي انتوني كوردسمان؛ والذي يرى أيضاً بان نتائجها «لابدّ وأن تكون سلبية».
وهذا آخر ما كانت تريده أميركا. وربما كانت آخر مسمار في نعش التحالف. لقد قام بلير بما رأى أنه يخدم مصلحة بلاده ولو متأخراً. والرئيس بوش يعمل بما يعتقد انه يوفر له المخرج من المأزق. فلماذا لا يتصرف العراقيون بما يخدم خروج بلدهم من النفق القاتل؟