يسير البرنامج النووي العسكري الإيراني نحو نقطة التصادم مع الولايات المتحدة ، وهو تصادم قد يشعل منطقة الشرق الأوسط بكل مكوناتها سواء من ناحية المواجهة الإيرانية - الأميركية العسكرية المباشرة وهو احتمال ضئيل على المدى القريب أو من خلال الصراعات بالوكالة في دول أخرى في المنطقة وهو الاحتمال الأكبر.
رفض الرئيس الإيراني للمهلة النهائية لوقف تخصيب اليورانيوم والتي تنتهي اليوم كان متوقعا حيث لم تبد القيادة الإيرانية في أي فترة سابقة مؤشرات لتراجعها عن الهدف الإستراتيجي الذي عملت عليه منذ السنوات العشر الماضية وقد اقتربت كثيرا من تحقيقه.
ومما يشجع القيادة الإيرانية على اتخاذ مواقف رافضة للضغوطات الخارجية حقيقة أن إيران تملك أوراقا سياسية وعسكرية كثيرة في المنطقة وبخاصة في العراق ولبنان وربما في فلسطين ودول أخرى في الخليج العربي يمكن أن تستخدمها كجزء من المواجهة السياسية مع الإدارة الأميركية.
الاحتمالات الخاصة بحدوث ضربة عسكرية أميركية ضد إيران قد لا تبدو واقعية الآن نظرا لحالة التخبط التي تعيشها الإدارة الأميركية في العراق والتي تجعل فتح جبهة عسكرية جديدة مع خصم منظم ومجهز عسكريا واستراتيجيا مثل إيران خيارا غير منطقي ، إضافة إلى أن الإدارة الأميركية تعيش أشهرها الأخيرة في البيت الأبيض وخلال ستة اشهر ستبدأ معركة انتخابية شرسة قد تحسمها مشاكل التورط الأميركي في المنطقة ، وآخر ما قد تحتاجه الإدارة هو الانغماس في مواجهة جديدة تطيح بالمشروع طويل الأمد للمحافظين الجدد.
في حال وجود تفكير بمواجهة أميركية - إيرانية وهذا يبدو شبه مؤكد في التفكير الإستراتيجي الأميركي فهذا لن يتم إلا بعد ضمان ولاية انتخابية جديدة للمحافظين الجدد ولكن المواجهة الأميركية - الإيرانية يمكن أن تشتعل في مناطق أخرى وهي أخبار سيئة لكل العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين بالأخص وكذلك مجموع الدول العربية التي سوف تتأثر بكل التوتر الناتج عن صراع الإرادات بين طهران وواشنطن.
تشعر الولايات المتحدة ومعها إسرائيل بأن إيران قد تشكل تهديدا حقيقيا للمصالح الأميركية الإسرائيلية مستقبلا وإن كانت لا تفعل ذلك الآن ، وكذلك يشعر العالم العربي بخطر فوري ومبرر من برنامج سياسي طائفي وقومي إيراني منتشر في المنطقة بحيث اصبحت إيران لاعبا رئيسيا في العديد من الدول وفي أدق تفاصيل سياساتها الداخلية وقراراتها الاستراتيجية.
ولكن الحقيقة الرئيسية تبقى أن الخطر الأول في المنطقة هي إسرائيل وهي التي بدأت السباق النووي من خلال تطوير ترسانتها النووية الهائلة والمحمية دوليا وأميركيا وهذا ما يجعل سباق إيران نحو التسلح النووي مبنيا على بعد سياسي قد يفتح المجال لمنافسة نووية تجعل الدول العربية تقع عاجزة بينها.
الحل الوحيد هو الذي طالب به الأردن مرارا وتكرارا ومفاده جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من اسلحة الدمار الشامل وهذا ما يتطلب ممارسة الرقابة والضغط على إسرائيل للتخلص من برنامجها النووي العسكري وعدم تهيئة الظروف لبرامج نووية منافسة.
وفي النهاية تبقى القضية الفلسطينية هي أساس التوتر في المنطقة وحلها بطريقة عادلة هو الذي يمكن أن يسهم في تخفيف حدة سباق التسلح.
المواجهة الإيرانية - الأميركية تتصاعد في أروقة مجلس الأمن ووكالة الطاقة الذرية ووسائل الإعلام ولكن من الصعب أن تتحول إلى مواجهة عسكرية بينهما في هذه السنة على الأقل ، أما الشظايا المدمرة فسوف يشعر بها العراقيون واللبنانيون والفلسطينيون في معارك بالوكالة على الأرض العربية التي تفتقر لقرار موحد وقدرة سياسية لحماية مصالح مواطنيها واستقرار بلادها من تبعات هذا الصراع المدمر بين نظامين يسيران نحو نقطة التصادم بدون تردد.