انتقل مفهوم خدمة المتعاملين في السنوات القليلة الماضية من مستوى إرضاء المتعامل إلى مستوى إشباع المتعامل، وإن كان هناك من يستخدم اصطلاح إسعاد المتعامل، إلا أن لفظ الإشباع هو أكثر احتواء وشمولا للمعنى، وهذا يعني عمليا الانتقال من تقديم الخدمة بمستوى أو بأسلوب متوقع إلى تقديمها بمستوى أو بأسلوب يفوق التوقع.
مع انتشار مفهوم خدمة المتعاملين في المؤسسات الحكومية، تفاوت مدى استيعاب تلك المؤسسات لتطبيقه على أرض الواقع، بين مؤسسات اهتمت بعامل الزمن فكانت في سباق معه لإنجاز الخدمة في أقصر وقت ممكن، وبين مؤسسات اهتمت بعامل الشكل فكانت تضفي على مظهر الخدمة جاذبية مبتكرة مهما كانت تكلفتها،
وكلا التطبيقين جاءا على حساب دقة العمل وسلامته، والتسبب في تضارب المصالح أو تعطلها، وأيضا تدني هامش الجدوى الاجتماعية والاقتصادية من الخدمة. وهذه نتيجة طبيعية لعدم اتباع الأساليب الإدارية العلمية والمنهجية عند تطوير الخدمة.
ولأن الخدمة، أي خدمة، تتكون من شكل ومضمون، حيث شكل الخدمة هو إطارها الإداري الذي تؤدى من خلاله كسهولة الإجراءات ووضوحها وخضوعها لمبادئ أخلاقيات المهنة عند أدائها وإنجازها في وقت مناسب، مع الارتقاء بأسلوب التعامل والبيئة التي تقدم فيها الخدمة.
وأما مضمون الخدمة فهو ما تمثله من أهمية قانونية وما لها من انعكاسات اجتماعية وتأثير اقتصادي ودور في بناء المجتمع وتطويره. ومن ثم فإن المؤسسة التي تتمكن من تقديم الخدمة بأنسب شكل ممكن والمحافظة في الوقت نفسه على مضمونها، ستكون هي المؤسسة القادرة على الوصول بخدماتها إلى مستوى إشباع المتعامل.
وهنا يتبادر تساؤلان، الأول: كيف تكون الخدمة قادرة على إشباع المتعامل؟ والثاني: متى تتمكن المؤسسة من الوصول بالخدمة إلى هذا المستوى؟ أما التساؤل الأول فيتحقق بتوافر العوامل التالية:
ـ انطباق مواصفات الجودة الشاملة وشروطها ومتطلباتها على الخدمة، أي أن تكون:
ـ مهيأة للحصول عليها في مدة زمنية محددة تتناسب مع حجم الجهد المبذول في تنفيذها.
ـ مستحقة بمجرد استيفاء شروطها.
ـ قابلة للحصول عليها في كل مرة بنفس المستوى من الدقة والجودة.
ـ متاحة بنفس المنوال (الوقت والإجراءات والجودة) لكل من يستوفي شروطها دون تمييز.
ـ قادرة على تكوين إحساس لدى المتعامل بأن إشباعه منها هو تقدير لأهميته هو ووقته وماله، وحرصا على مشاعره بالرضى والسعادة.
ـ توليد الشعور بالخصوصية لدى المتعامل، حتى يشعر أثناء تقديم الخدمة له بأنه يتمتع بوضعية خاصة وباهتمام زائد وكأن الأشخاص الذين يوفرون له الخدمة ليس لهم عمل آخر إلا إنجاز الخدمة التي يطلبها.
ـ المحافظة على طابع أو أسلوب متميز للتقاليد الإجرائية، أي أن تضفي المؤسسة على خدماتها نوعا من النكهة الإجرائية الخاصة التي تميزها عن إجراءات غيرها من المؤسسات، تجعل المتعامل بدوره يكنّ لها احتراما خاصا لما يلمسه من التميز وأيضا المهنية العالية عند تنفيذ الخدمة.
ـ نقل المعرفة، بأن يكتسب المتعامل معلومات إضافية ذات قيمة مهنية أو فنية تضاف إلى الخدمة التي حصل عليها، كأن تتعلق بالأحكام القانونية أو الاستخدامات الإضافية أو الكيفية التي تنجز بها الخدمة، أو العوائد الاجتماعية التي تعود للمجتمع من ورائها.
ـ التواصل، من خلال بناء علاقة مستديمة مع المتعامل والمحافظة عليها حتى ولو لم يكن في حاجة للخدمة في الوقت المنظور، مع تنمية إحساسه بالانتماء لهذه المؤسسة وتأكيد شعوره بالخصوصية.
أما التساؤل الثاني، وهو متى تتمكن أي مؤسسة من الوصول إلى هذا المستوى من الخدمة، فهذا يتعلق بإمكانياتها وقدراتها الإدارية والمهنية والمادية على تهيئة:
1. موارد بشرية تمتلك استعدادا مهنيا وذهنيا وسلوكيا عاليا يؤهلها للإلمام بالخطوط الإجرائية للخدمات واللوائح والأحكام التي تنظمها، ومعرفة كيفية التعامل مع أصناف المتعاملين والتكيف حسب طبيعة كل منها، وتحمل ضغوط العمل، واستخدام الصلاحيات الممنوحة بفهم وأمانة ومهنية فائقة،
مع الاحترافية التي تجعلها قادرة على تمييز مدى معقولية البيانات والوثائق التي يقدمها المتعامل في سبيل حصوله على الخدمة وأنها ليست مزيفة أو مزورة، مما يتطلب من المؤسسة بالأولوية دقةً في اختيار مواردها البشرية ذات القدرات الكامنة، وإخضاعها لدورات تدريبية تخصصية عالية المستوى لإثراء الجوانب المعرفية والسلوكية لديها وشحذ ذكائها الوظيفي.
2. إجراءات مصممة أو معاد هندستها بشكل يحقق سلاستها وإمكانية إنجازها في أقصر مدة زمنية ممكنة، بالإضافة إلى شموليتها واستيفائها لجميع المتطلبات القانونية والمعلوماتية بشكل يضمن دقتها وسلامتها من الأخطاء أو النقص، وهذا يتطلب وجود خطوط إجرائية (روتين) معدة بمهنية عالية، ونماذج مصممة بجودة عالية، وموارد بشرية عالية التأهيل ومستوعبة لذلك الروتين.
3. بيئة خدمية عالية التجهيز تعتني بالجو العام لمكان تقديم الخدمة بمراعاة المساحات والأبعاد والألوان، وتوافر الوسائل التي تساعد على سرعة الاسترشاد على المكان المقصود، مع سرعة الشروع في الحصول على الخدمة. كما تتطلب البيئة تزويدها بالمعدات والأجهزة والأدوات عالية الجودة وتحمل الاستخدام المكثف.
4. تطبيقات متطورة في تقنية المعلومات، تتميز بالفعالية وسهولة الاستخدام وبالقابلية للترابط مع التطبيقات الموجودة في المؤسسات الأخرى لتبادل المعلومات الخاصة بالمتعاملين، سواء قبل الخدمة أو بعدها، مع الاحتفاظ بمخزون (مستودع) معلوماتي تاريخي عن المتعاملين والخدمات المقدمة لهم لتحليلها واستقراء نتائجها وتطوير الخدمة تبعا لذلك.
5. قياس مستمر لمستوى أداء الخدمة، من خلال أنظمة الرقابة الداخلية، أو باستقصاء آراء المتعاملين، أو بتشخيص الوضع القائم بواسطة بيوت الخبرة الاستشارية، مع المبادرة فورا إلى معالجة مواضع النقص أو تطبيق الأفكار المبتكرة.
ولكن، هل يكفي ذلك كله لإنتاج خدمة تحقق إشباع المتعامل؟ والإجابة بالنفي، إذ يبقى «المتعامل الكبير» الذي ينبغي إشباعه قبل « المتعامل الصغير»، وذلك المتعامل هو المجتمع، وإشباعه يتأتى من خلال عامل ثالث وحاسم يضاف للعاملين السابقين، ويتمثل في إخضاع كل خدمة تنتجها المؤسسة لمعايير البراءة من الإضرار واختباراتها،
فاستكمال إجراءات الخدمة من حيث الشكل واستيفاؤها من حيث المضمون لا يعني استكمال حق المتعامل في الحصول عليها، إلا إذا تأكدت المؤسسة من أن الخدمة (بريئة) من أي مسوغات مادية أو شكوك أو احتمالات مبنية على ملاحظات منطقية من أنها قد تتسبب أو قد تستخدم في إيقاع الضرر بالمجتمع أو مؤسساته أو للإضرار بالآخرين كالغش أو النصب أو التلاعب،
الأمر الذي لا يبيح للمؤسسة تسهيل حصول المتعامل على الخدمة بشكلها النموذجي في مثل هذه الحالات بذريعة إشباعه. وهذه مهارة تتطلب من مقدم الخدمة أن يتمتع بحس مهني واحترافية في الأداء وسرعة فائقة في الحدس يستشعر به من الوهلة الأولى خلو الخدمة المنجزة من القابلية أو تبييت النية لاستغلالها بأساليب غير مشروعة، مع حسن التصرف في رد الفعل واتخاذ القرار بلباقة وذكاء.
وهذا دور يتأيد بإجراءات الحوكمة المؤسسية من خلال وظائفها المتعددة، لضمان محافظة المؤسسة على بقاء الخدمات التي تقدمها في إطار شكلها ومضمونها المحدد لها ونتائجها الإيجابية.
كاتب إماراتي