تدور المراهنة الآن، في العراق على «الخطة الأمنية». مضى عليها أكثر من أسبوع. قوات عسكرية كبيرة، أميركية وعراقية، تشارك فيها. الرئيس بوش ربط الخروج من ورطته العراقية بنجاحها. بل هو خاض ولايزال معارك مع خصومه الكثيرين، ومن بينهم أركان من حزبه في الكونغرس؛ لتبرير قراره بإرسال أكثر من 21 ألف جندي إضافي إلى العراق من أجل تنفيذ هذه الخطة التي يعلق عليها آماله.
خالف كل الاعتراضات وتجاهل كل التحذيرات، ليبقى على إصراره في المضي بها. ورفض البدائل كافة، من مقترحات لجنة بيكر إلى صيحات الأكثرية الديمقراطية، خاصة في مجلس النواب التي أبدت رفضها للتوجه الأمني هذا، في التعاطي مع المأزق العراقي.
الحكومة العراقية هي الأخرى تراهن على نجاح الحملة التي تتوسم فيها القدرة على قطع دابر العنف. وكلاهما يتحدث عن نجاحات تحققت، مثل هبوط نسبة العمليات بـ 80%، حسب بعض المسؤولين. ومن علامات النجاح، يقولون، عودة 620 عائلة عراقية إلى منازلها؛ بعدما نزحت عنها قبل فترة بسبب العنف وعمليات التطهير.
طبعاً وقف العنف أولوية. ومن حق العراقيين مطالبة الحكومة بالتصدي له. لقد بلغ حدوداً تهدّد البلد بالانهيار الكامل كلفته صارت فوق الطاقة على الاحتمال. وطبعاً، أيضاً، إن ما تحقق، مثل عودة بعض النازحين، يحسب في خانة الإيجابيات المرغوبة والمطلوب مضاعفتها؛ والتي لا شك تحظى بالترحيب والتشجيع.
لكن في الوقت ذاته، يحصل ما يهدّد كل ذلك. بل ما يؤدي إلى تسعير العنف. وربما تزخيمه. في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى التطور الخطير الذي شهدته الأيام الأخيرة، على الصعيد النوعي للعنف وبالتحديد إلى ما تردد حول وقوع حادثة اغتصاب؛ أخذت الطابع المذهبي
وحصل حولها تراشق وتعنيف خطابي أدى إلى رفع منسوب التوتر بين الجانبين. ثم ما وقع أول من أمس من تفجير بـ «قنبلة قذرة»، وضعت في شاحنة تنقل غاز «كلورين». ما أدى إلى انبعاث غازات سامة جراء التفجير، وبالتالي إلى زيادة عدد الضحايا.
وقد جرى ذلك بموازاة استمرار العمليات المروعة والعثور على جثث مقطوعة الرؤوس، وغير ذلك من الحوادث الفظيعة.بقطع النظر عن مدى صحة حادثة الاغتصاب؛ وعن أن استخدام غاز الكلورين هو الأول من نوعه. إلا أن ذلك يؤشر إلى أن الساحة عرضة لدخول أشكال وأساليب جديدة وخطيرة في تأجيجها لأجواء العنف والانتقام المتبادل.
الأمر الذي يحكم على الخطة الأمنية بأن تصبح أسيرة الدوران واللهاث في حلقة من النزف المتواصل، على غير انقطاع لاسيما وأنه قد سبق واعتُمدت خطط أمنية في السابق للقضاء على العنف ـ خطة تزنير بغداد بالحواجز وضبط مداخلها ـ؛ إلا أنها انتهت إلى غير المنشود. بل إلى عكسه.
وإذا كان من عبرة في كل هذه الخطط، فهي أن هناك حلقة أساسية مفقودة، ما لم يتم العثور عليها؛ فإن السلسلة الأمنية لن تقوى بدونها على الصمود ولا على تحقيق الفعالية اللازمة. هي حلقة المصالحة الوطنية العامة فهذه بالنسبة للأمن كالماء بالنسبة للسمك. ومن هنا أهمية تدعيم الخطة الأمنية الجارية الآن فصولها بتحرك موازٍ على صعيد هذا المطلب الذي يبدو انه في غياب تحقيقه تصعب إن لم تستحلْ السيطرة على الأوضاع.