عندما حلق النسر الأميركي فى سماء بغداد منتشيا بالانقضاضة الأولى، رافعا راية الديمقراطية، بدت كل العواصم العربية بعيدها وقريبها ترتعش تحت ظلال أجنحته، فبعض الأنظمة السياسية العربية التي كان لمشاركتها او صمتها الفضل الأكبر في انجاز مشروع الغزو، شعرت بالغدر حينما تغيرت فجأة مفردات خطاب الغزو

ولكن لم يكن أمامهم سوى التظاهر بالاستجابة لمستجدات الخطاب الديمقراطي، الذي سقط على رؤوس الجميع كالصاعقة غداة سقوط بغداد وفشل فريق التفتيش الأميركي في العثور على ما يمكن تقديمه كدليل على وجود أسلحة دمار شامل . لم يترك الخطاب الديمقراطي الجديد خيارات كثيرة فالمطلوب هو تغيير طريقة الحكم تحت طائلة التهديد وليس فقط التبعية والتفاني في خدمة الاستراتيجية الجديدة وكان ذلك بالنسبة لكثير من الأنظمة يعني زوالها،

اذا تم تنفيذه بالكيفية المطلوبة أميركيا حيث بدا ان الإدارة الأميركية جادة في إعطاء مصداقية لهذه الرسالة، التي انتدبتها لها السماء وفق زعمها لتنشرها في ربوع منطقة تعاني شعوبها فعلا من عسف أنظمة لم تعد مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما تتحمل طريقتها في الحكم،

وقد زاد من ضائقة هذه الأنظمة ان الدعوة الديمقراطية لم تعد تتبناها الولايات المتحدة فقط، فرغم معارضة بعض القوى الغربية الكبرى للطريقة الأميركية في نشر هذه الدعوة لأسباب تتعلق بحجم الغنائم، الا انها أصبحت هى رسالة الغرب في القرن الواحد والعشرين.

وبالتالي فقد أضحت مطلبا عالميا لا يجوز التشكيك في صحته كأي شئ يتبناه الغرب جيدا كان ام سيئا ولهذا لم يكن أمام هذه الأنظمة سوى المراوغة والإيحاء بأنها تقوم بما تتوجبه عليها المرحلة وقد ساعدها على هذا الخداع الغياب الكلى لروح الفعل الجماعي لدى الشعوب وعدم قدرتها على انتهاز هذا الظرف لأخذ زمام المبادرة من يد الأنظمة والولايات المتحدة لتقرير مصيرها بنفسها بدلا من ان تصبح موضوعا للمساومة بين الطرفين .

لقد سبق لهذه الأنظمة ان تم إقحامها في ما سمى بالحرب على الإرهاب، ورغم انه المصلحة لشعوبها في مثل هذه الشراكة، الا أنها كأنظمة وجدت من مصلحتها المشاركة في هذه الحملة لعدة أسباب منها:

1- رأت فيها فرصة سانحة لاستخدام كل الوسائل للقضاء على كل من تشتبه فيهم كمعارضين في الداخل والخارج، فالتهمة باتت عالمية وجاهزة بعد ان تبناها الغرب كمصطلح لغوى وترك تعريفها القانوني حسب الحالات والمصالح، فكان ذلك بمثابة رخصة تعطي للأنظمة الحق في مطالبة الحليف الغربي في الحرب على الإرهاب بتسليمها كل معارضيها الذين لجأوا اليه باعتبارهم إرهابيين في نظرها، وهذا ما تمليه ضرورة تنفيذ اتفاقات التحالف وزمالة السلاح فى حرب ضروس ضد عدو بات خطره يهدد البشرية جمعاء.

2- وجدت بعض الأنظمة في انطلاقة هذه الحرب فرصة قد تعود عليها بفوائد اقتصادية، اذا ما حصلت على قروض ومساعدات، فقد درج هذا النوع من الأنظمة على المشاركة في مثل هذه المشاريع الغربية في المنطقة للحصول على إعانات تقنية وفنية لأجهزتها الأمنية الساهرة على أمنها،

الى جانب الظفر بهبات مالية لحل اختناقاتها الاقتصادية المزمنة ولو مؤقتا، ولذا فقد بدا إعلان الحرب على الإرهاب بالنسبة لهذه الأنظمة فرصة سانحة كسابقاتها ونعمة جاءت من السماء، لا ينبغي التفريط بها او التردد عن المشاركة فيها لأي دعاوى وطنية كانت ام قومية .

3-رأت هذه الأنظمة بان الفارق في القدرات وحجم الأقطار التي تقودها، لم تعد له تلك القيمة في إطار الشراكة الجديدة مع الولايات المتحدة والغرب، فالحرب الأميركية على الإرهاب تستهدف جماعات وأفراد ومنظمات يتحركون عبر فضاء شاسع لتعقب أهداف من المفترض انها تنتشر على اتساع المنطقة، كما يبحثون عن أماكن آمنة للكمون والتخطيط وليس لحجم الإقليم وقدراته المادية اى دور في اختيار هذه المنطقة او تلك من قبل هذه الجماعات،

ولهذا فان حلفاء الولايات والغرب في هذه الحرب متساوون في الأهمية تقريبا بصرف النظر عن الحجم الذي تشغله أقطارهم في المنظومة الإقليمية، فأخطر الجماعات او الأفراد في نظر القائمين على هذه الحرب، قد يتواجدون في اكبر الأقطار مثلما في أصغرها وبالتالي فالحاجة الى تعاون الصغير هي بنفس أهمية تعاون الكبير غير ان التداخل بين الحرب على الإرهاب وتبنى الديمقراطية بعد احتلال بغداد قلب الأمور رأسا على عقب،

فقد احتكرت الولايات المتحدة لنفسها حق تسمية من يعد إرهابيا من المعارضة العربية ومن ليس كذلك فالمعارض الذي يتبني موقفا صريحا مناهضا للغزو والاحتلال الأميركي للعراق وينحاز الى المقاومة الوطنية كحق مشروع سواء في العراق ا وفي فلسطين ويرفض الوصاية السياسية والثقافية التى يفرضها الغرب على العرب،

فمثل هذا المعارض يعد في حكم الإرهابي في نظر الولايات المتحدة وان لم يقم بفعل عنيف ضد المصالح الأميركية لأن موقفه من هذه القضايا المحورية يلتقي في نهاية المطاف مع مواقف أولئك الذين يمارسون العنف، وبالتالي لا مكان له تحت مظلة الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ترعاها الولايات المتحدة ولا يستطيع ان يستظل بها سوى من يثبت عنه عدم التطلع والتنطع والخوض العلني في مثل تلك القضايا والمحرمات .

لقد ادخل هذا التصنيف كثير من الأنظمة السياسية العربية في سرداب مظلم، حيث اختلط حابل الحرب على الإرهاب الذي تحمست له وانخرطت فيه بنابل الديمقراطية المفاجئ، فازداد فزع هذه الأنظمة لأنها لا ترى فرقا بين الفئتين من المعارضة، فكلتاهما تستهدف السلطة التي تحتكرها هذه الأنظمة ومن اجلها تخلت عن كل محرم ومقدس،

وبالتالي فأن الحرب على الإرهاب بالنسبة اليها فقدت معناها طالما انها لم تعد تعنى التخلص من جميع أنواع المعارضين ولكنها ظلت تراوغ من خلال بعض الإجراءات والخطوات التي تبدو في ظاهرها إصلاحية لأجل كسب الوقت على أمل ان تنتهي هذه المرحلة القاسية، التي ضاقت فيها الأرض بما رحبت وتأتي بعدها معجزة من حيث لا يحتسبها احد.

كاتب ليبي