بتوقيعهم على اتفاق مكة المكرمة الثامن من فبراير الجاري ، ألقى القادة الفلسطينيون بالكرة في الملعب الاسرائيلي كما سببوا حرجا كبيرا للولايات المتحدة التي تحدثت كثيرا عن التزامها بإقامة الدولة الفلسطينية بنهاية عام 2005 ولكننا وقد انتهى 2006 لم نشهد تحقيقا لهذا الالتزام بل شهدنا مجموعة من البلاغيات والزيارات المتكررة التي لم تكن تخرج عن حدود العلاقات العامة وإزجاء كلمات الترحيب والثناء من طرف الى طرف، وسرعان ما اكتشف الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن عبارات التأييد والإطراء التي سمعها من الجانب الاميركي لم تصل الى حدود التنفيذ العملي.
فواشنطن وتل ابيب يريدان من الرئيس الفلسطيني ان يعمل ضد مصالح شعبه مقابل دعمه ماديا ومعنويا ، لكن عباس بحصافته السياسية يعلم تمام العلم انه لا يستطيع ان يصنع مستقبلا سياسيا لنفسه او حتى لفتح على تلة من جماجم شعبه، وهاهو عباس يقع في (تلاسن) مع أولمرت حول إخفاق الاخير في الوفاء بالتزاماته، وهنالك تأكد لأولمرت ولرايس و(وولش) انهم أمام رجل يحمل رصيدا من النضال ناصع الصفحة وانه لا يريد لهذا النضال ان ينتهي بتقزيم قامته الى حد العمل ضد مصالح وطنه العليا وضد اصول القضية الفلسطينية التي ناضل طيلة حياته من اجلها الى جانب رعيل كبير من المناضلين منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر دون خوف او تردد او تنازل عن الحق.
فقد وقع عباس اتفاق مكة والتزم به ـ وكذلك هنية ـ وهاهو عباس يقوم بجولة عربية ودولية ليشرح موقفه بعدما ارتآه من هجمة اعلامية اسرائيلية وغربية على الاتفاق وعلى موقف عباس نفسه وكأنه تراجع عن التزاماته، بل قال أولمرت في (ملاسنته) مع عباس خلال ما يسمى بقمة القدس يوم الاثنين الماضي ان عباس خدع اسرائيل وبموقفه هذا زاد عباس من ضيق الاسرائيليين والاميركيين على السواء، وهاهو عباس يتلاحم مع هنية بعد تكليفه مجددا بتشكيل حكومة وحدة وطنية على اساس من وثيقة الوفاق التي سبق واتفقا عليها قبل عدة اشهر.
لقد اثبت اتفاق مكة ان النضال الفلسطيني قادر على تصحيح نفسه ولم شمل قياداته وفصائله مهما كان الثمن المدفوع، ويعتبر عباس في الحقيقة نجم ذلك الاتفاق بتأكيده الحرص على مناخ السلام الاجتماعي داخل فلسطين أولا وقبل كل شيء. وكان من المؤمل ان يحترم العالم وفي طليعته الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي هذا النهج الوفاقي بين الفصائل الفلسطينية، بل ويشجع تلك الفصائل على نهج التوحد تحت قيادة واحدة تحترم الشرعية الدولية والاتفاقات وفي نفس الوقت تحترم حق الشعب الفلسطيني في العيش بسلام ودون فتن داخلية او اضطرابات امنية. وبعد اعلان مكة واجتماع القدس ظهرت أبعاده مؤامرة كانت تحفز على الصراع الداخلي الفلسطيني.
والآن يتعين على المجتمع الدولي وفي طليعته الدول العربية ان يدعموا الموقف الفلسطيني الهادف الى توفير السلام الداخلي ثم التحرك في اطار اتفاقات الوضع النهائي لصنع السلام الاقليمي والعالمي المنشود وهذه متوالية طبيعية وسلمية خاصة بعد ان توقفت حماس عن النضال المسلح بعد دخولها الحكومة، أفليس هذا دليلا كافيا على احقية القادة الفلسطينيين ان يحصلوا على فرصة لتوحيد صفوفهم من اجل السلام؟.
وعلى الذرائعيين الذين يلتمسون لاسرائيل مبررات لذرائعها التعويقية ان يفسحوا الطريق للطموح الوحدوي الفلسطيني كي يعبر عن نفسه ان كان ثمة من بين هؤلاء الذرائعيين من يريد السلام الحقيقي.