تعقدت الأزمة اللبنانية واستطالت وجاءت النذر من الداخل والخارج تحذر من أن تعقيدات وارتباطات تجعل الوصول إلى توافق أو «لحظة تراضٍ» لبنانية أصبح - على الأرجح - بعيدا، وقد أنتجت الأزمة اللبنانية معجما جديرا بأن نتوقف عنده لما له من دلالات بعضها يتجاوز السجال السياسي بمعناه المباشر ليصل إلى عمق ما هو ثقافي ومعرفي كاشفا عن بنية جديدة تشكل وجهات اصطفاف جديدة تتبلور ولكن - وهذا موضع الاهتمام الأول لهذا المقال - لغة سياسة جديدة للخارج فيها مكان أكبر وللتشابه والاختلاف دور أوضح في اختيار زوايا النظر وأيضا مفردات الخطاب.

من أوكرانيا إلى سلوفينيا

الرئيس الشهيد رفيق الحريري افتتح معجم الأزمة اللبنانية بعبارة قالها في مكالمة تليفونية ونقلتها الحياة اللندنية (الحياة 21/ 2/ 2005) إذ شبه لبنان بأوكرانيا قائلا إن: «أوكرانيا ليست أهم من لبنان والرئيس بشار الأسد ليس أقوى من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالنسبة إلى الأسرة الدولية التي تريد انتخابات حرة في لبنان».

وقبل أيام أضاف وزير العدل اللبناني شارل رزق إلى هذا المعجم ثروة من المصطلحات يمكن استنتاجها وبلورتها من تصريحاته التي شبه فيها لبنان بصربيا وكرواتيا وسلوفينيا في عبارة واحدة عندما قال: «إن مفهوم الدولة الواحدة الموحدة بات في خطر» مبدياً خشيته من «أن يصبح لبنان دولة ساقطة على غرار يوغوسلافيا، لأنه بات قاب قوسين من أن يصبح صربيا شيعية وكرواتيا سنية وسلوفانيا مارونية»، (الشرق الأوسط اللندنية 12 فبراير 2007).

والتشبيهات التي استخدمها الوزير اللبناني تتجاوز بكثير دلالاتها البلاغية إلى مرامٍ سياسية لها ظلالها فـ «صربيا الشيعية» إشارة إلى موقف شيعي يتسم بالتشدد والرغبة في الصدام مع الغرب وصربيا فضلا عن ذلك كانت حتى وقت قريب رمزا من رموز التشدد القومي الذي يخوض صراعا ذا طبيعة قومية متخفيا وراء مقولات دينية،.

وهو ما يعني أن الموقف المعادي للغرب بتشدد أصبح يمثل موقفا مجردا من الشرعية الدولية على النحو الذي جعل صربيا تتعرض لتدخل عسكري أطلسي. أما كرواتيا السنية فمؤشر على تقارب بين موقف السنة في لبنان وموقف القوى الدولية ذات التأثير في المجتمع الدولي، وبين هذين النقيضين توشك الطائفة المارونية أن تتحول إلى سلوفينيا.

ليس مستبعدا إذن تشييع وحدة لبنان إلى مثواها الأخير بعد أن تحول شركاء الوطن إلى «نماذج» سياسية غير قادرة على التعامل في إطار صيغة تعايش وأصبح كل منهم ينظر للمستقبل في مرآة تجربة أخرى قد تكون حسب تصريح الحريري «أوكرانيا»، وقد تكون بحسب الوزير شارل رزق: «صربيا» أو «كرواتيا» أو «سلوفينيا»، بعد أن أصبحت لبنان تستدعي ذكرى مؤلمة هي ذكرى يوغوسلافيا التي كانت!

مفارقات الطائفية اللقيطة

وحديث الوزير اللبناني ينطوي على بعدين مهمين ينبغي التوقف عندهما أولهما أنه يقر بل يؤكد أن المنطق الطائفي أصبح سيد الموقف في المشهد اللبناني وهو منطق تتجاوز حدوده لبنان فهناك تحذيرات وسيناريوهات وتخوفات وملاسنات كلها تصب في خانة التحذير من صراع طائفي عابر لحدود الدولة في المنطقة العربية.

والجدير بالتوقف هنا أن تصريحات الوزير اللبناني شارل رزق تحمل صك براءة للوجود الأميركي في العراق من المسؤولية عن المد الطائفي فيها بدليل أنه ظهر في لبنان التي لم تطأ أرضها قوات أجنبية، المصارحة إذن تقتضي الاعتراف بأن المشكلة الطائفية في العالم العربي لم تبذر بذرتها قوات الاحتلال الأميركي في العراق. وقد يكون الوجود الأميركي في العراق قد أظهرها أو زادها حدة لكنه على وجه القطع ليس مسؤولا عن وجودها.

ورغم أنه كان من البديهي أن الوجود الأميركي في العراق - أيا كان الموقف من مشروعية إزالة الأنظمة بالقوة - هذا الوجود لا يمكن أن يهدم خلال ثلاثة أعوام ما بناه نظام البعث خلال أكثر من ثلاثين عاما (رغم أن الطائفية في العراق لم تنتظر مرور أشهر قليلة على انهيار نظام البعث حتى تظهر).

وبالتالي فإن الدولة الوطنية الحديثة في العراق (المحتل) كما في لبنان (المقاوم) لم تنجح في بناء رابطة وطنية تعلو على الطائفية والاحتلال الأميركي للعراق والضغوط الأميركية على لبنان مجرد اختبار لكفاءة النموذج وصلابة المجتمع، وقد فشلت «الدولة» في الاختبار العراقي وفشل «المجتمع» في الاختبار اللبناني فشلا ذريعا وما زلنا نلقي التبعة على الخارج!

الاصطفاف الملغز

غير أن الفرز الطائفي نفسه بين التجربتين العراقية واللبنانية انطوى على مفارقة ملفتة فشيعة العراق الذين يتمتعون بتماسك طائفي كبير حتى قبل زوال النظام العراقي اختارت أغلبيتهم الانخراط في المشروع الأميركي من المجلس الانتقالي للحكومة الانتقالية انتهاء بالانتخابات.

في المقابل اختار السنة - أو على الأقل معظمهم - مناهضة المسار السلمي وأحجموا عن المشاركة في خطوات المشروع الأميركي ورفعوا شعار «المقاومة» وبناء على هذا الفرز أصبح البعد المذهبي في الأداء السياسي بارزا على نحو غير مسبوق. في المقابل كان المشهد اللبناني مختلفا فحدث فرز طائفي على أساس الموقف من مشروعين:

أميركي يحاول - حتى لو من منظور نفعي محض - تبني المطالب الديمقراطية التي يطالب بها المعارضون اللبنانيون، وآخر سوري يسعى لتبرير الهيمنة السورية على لبنان من خلال التخويف من التغيير الديمقراطي الحقيقي واصفا إياه بالمشروع الأميركي الإسرائيلي لابتلاع لبنان، والمفارقة أن فزاعة «الفوضى» والاقتتال الداخلي والحرب الأهلية يرفعها السنة في العراق ويرفعها الشيعة في لبنان!

وقد تداخلت المفاهيم وانعكست صورة الذات في مرايا الآخرين بأكثر مما استدعت من ممكنات الحل الداخلي والمشكلة اللبنانية قد تكون قد أثرت المعجم السياسي العربي بتعبيرات لم يألفها وتشبيهات فيها جدة وطرافة لكنها جدة مؤلمة وطرافة تبعث على الخوف على مستقبل مثقل بالأسئلة ونظام رسمي عربي محاصر بماضيه ومحاصر بسيناريوهات إعادة الهيكلة وإعادة رسم الخرائط وتغيير الأفكار والأجندات. لكننا ما زلنا الأكثر مهارة في لعبة البلاغة ونحت المصطلحات وصياغة التشبيهات المدهشة. واسألوا السياسيين اللبنانيين!

كاتب مصري