في أحسن أحوالها كانت حصيلة لقاء رايس ـ عباس ـ أولمرت، باهتة جداً، نسخة طبق الأصل عن سابقاتها، من حيث درجة عقمها. كل ما صدر عنها تكرار للمعروف والمتداول. الجديد، إذا صحت العبارة، كان في الوعد بعقد لقاء آخر، على أن يسبقه ترتيب اجتماع بين عباس وأولمرت.
الأمر الذي يفرض عدة تساؤلات لماذا وبأي تصور ونية، سعت الوزيرة الأميركية إلى هذه الجلسة الثلاثية؟ كم مرة مطلوب عقدها كي تأتي بمردود له طعم؟ ثم ألم تسأم رايس من تكرار هذه المعزوفة، التي صارت مملة، لغياب أي جديد فيها؟
إدارة الرئيس بوش لا تترك مناسبة من دون التذكير بما تسميه «التزامها» بصيغة «الدولتين» و بـ «خريطة الطريق» لكن على الأرض بقي تحركها بعيداً عن دفع الأمور، باتجاه ترجمة هذا الالتزام، الذي بقي حبراً على ورق، ففي كل مرة كان يتأزم الوضع أو تتهيأ الظروف، خاصة من الجانب الفلسطيني، تسارع الوزيرة رايس إلى المنطقة، تحت شعار الرغبة في إحياء واستئناف عملية السلام. لكن في كل زيارة كانت تتجدد الشروط التعجيزية ذاتها، ومن ثم يتبين أن التحرك كان لأغراض أخرى، ليس لمثل هذا الاستئناف ـ حتى لا نقول التفعيل ـ مكان بينها.
كان التحرك إما لتعويم الحكومة الإسرائيلية وإما لتوسيع شقة الخلاف بين الفلسطينيين. وأحيانا أخرى للظهور بمظهر العازم على التحرك الجاد، بخصوص هذه القضية، علّ ذلك يخفف من حدة الاعتراضات على سياساتها في أماكن أخرى، مثل العراق أو غيره. والجولة الأخيرة تندرج، في ضوء ما خلصت إليه في خانة هذه الدوّامة. بعد تحضير وتسليط أضواء، مع ترك الانطباع بأن الوزيرة رايس قادمة هذه المرة إلى المنطقة، وفي جعبتها بضاعة مختلفة نوعياً.
تسريبات تحدثت عن نقلة نوعية باتجاه «الدولة» الفلسطينية الموعودة، وأن واشنطن وصلت إلى شيء من القناعة بضرورة تفعيل وتطوير سياستها تجاه الملف الفلسطيني، إذا ما أرادت لسياساتها الأخرى في المنطقة أن تتحاشى التعثّر.
كانت النتيجة أن اللقاء جرى ليكون فرصة أخرى تتيح للوزيرة إعادة التأكيد على «عمق التزامها» والتزام إدارة بوش بالمساعدة على حل هذا النزاع!! ولتعرب الوزيرة عن تثمينها لهذه المناسبة التي أتاحت للزعيمين فرصة طرح خلافاتهما وجهاً لوجه، بدلاً من التخاطب عبر وسائل الإعلام!
هل كان ذلك يقتضي عقد قمة من هذا النوع وبعد كل الذي شهدته الأراضي المحتلة وغزّة؟ هل كان تكرار العموميات يتطلب لقاء على هذا المستوى وفي هذا الظرف بالذات؟ واشنطن، والوزيرة رايس بالذات، تعرف نقاط الخلاف والتعقيدات، كما تعرف تماماً من يمارس التملص والتفخيخ، وما هو المطلوب لدفع مسيرة «السلام».
كل ما يجانب ذلك لا يخرج عن كونه محاولة أخرى لشراء الوقت وترك عملية التفريغ المتواصلة التي تقوم بها إسرائيل، من خلال الجدار والاستيطان والحصار..، تأخذ مداها لتتحول إلى واقع عنيد قائم على الأرض. أو ربما كان، في شق منه هذه المرة، محاولة للتخريب على اتفاق مكة، عبر الذرائع نفسها والتعجيزات الشكلية ذاتها، من «الاعتراف» إلى «الالتزام»، بالرغم من أن الاتفاق تجاوزها.
تكرار اللقاءات بحجة ظهور «صعوبات» جديدة، لم ولن يجدي إذا كانت فعلاً إدارة بوش راغبة في الدولة الفلسطينية، فهي قادرة على مسح كل الصعوبات، كيف؟ بالعمل بنصيحة بريجنسكي: التدخل لحمل إسرائيل على القبول بحل تضعه واشنطن على أساس خريطة الطريق، ما عدا ذلك لف ودوران وإضاعة وقت.