قد يبدو العنوان غريبا، ونحن نعيش على مدار اليوم في طول منطقتنا العربية وعرضها، مشاهد وأخبار القتل والتفجير والاغتيالات، وأشكالا لا تعد من الاضطرابات والمصادمات التي أصبحت وكأنها قدر مكتوب علينا ولا فكاك منه، إلا من رحم ربك. بل إن بعض من ينتمون إلى هذه المنطقة قد اعتمدوا العنف، أفعالا وملاسنات، مهنة يفضلونها على ما عداها من المهن!

فهل نحن محرومون إلا من هذا «القفص الانفعالي» المدمر الذي فرضناه على أنفسنا، أو فُرض علينا واستسلمنا لشروطه وأدواته؟ هل نحن بدع بين الشعوب والأمم أم أننا أمة تعيش خارج الزمن؟

كل شعوب العالم تحزن وتتعرض للكثير من المآسي والكوارث الطبيعية والبشرية، لكنها لا تنسى حظها ولا تفرط في حقها بأن تروّح عن نفسها وتفرَحَ، ولو مرة في كل عام.

فالصينيون، وهم من الشعوب الشرقية مثلنا، يطلقون على كل عام تسمية معينة ويخصصون لذلك احتفالات فلكلورية يكون للأطفال فيها نصيب أكبر. وفي أميركا اللاتينية الأقرب إلى الشرق في طبائع أهلها وظروفهم، رغم بعدها الجغرافي، لكل شعب مهرجانه أو كرنفاله السنوي الزاهي الذي يتحدى الظروف الاقتصادية القاسية وانتشار الجريمة المنظمة، وحتى المجرمين يشاركون في ذلك ويوقفون أو يحدّون من نشاطاتهم الإجرامية في هدنة غير معلنة أثناء هذه المهرجانات والاحتفالات.

أما نحن فحظنا الكآبة وإدمان المناحات المتنقلة التي لا تنقطع، وكلما فترت مناحة بحثنا وأجهدنا أنفسنا في البحث عن سبب جديد لمناحة أكثر عمقا تعيدنا إلى دائرة الحزن والأسى، وكأن خروجنا من هذه الدائرة يجعلنا نتوه عن أنفسنا أو ننسى من نكون!

صحيح أن لدينا أعيادا دينية ووطنية نستذكرها كل عام، لكننا أفرغنا هذه المناسبات من مضامينها الإنسانية ومقاصدها الشرعية والوطنية. فأصبحت، إما احتفاء بالرسميين واحتفالا يخصهم، أو مجرد طقوس ومظاهر شكلية نمارسها اضطرارا، لما تضيفه من أعباء وتكاليف معيشية لم تعد في متناول غالبيتنا العظمى التي تتزايد باطراد مع ارتفاع نسب التضخم وضغوط الغلاء المتفاقم، فضلا عن تفاوت المواقيت واختلاف الأيام.

ولم تعد المناحات حكرا على النائحات المحترفات اللاتي يُنتدبن في المصائب، بل أصبح معظم ساستنا والكثير من اقتصاديينا ومن كتابنا ومثقفينا، يتقمصون دور النائحة، أو بالأحرى يسطون على اختصاصها ومهنتها الموغلة في القدم، فلا يقدمون لنا إلا ما يستوجب الكآبة ويدفع لمزيد من اليأس والإحباط.

لقد احتفل البرازيليون قبل أيام بكرنفالهم السنوي في عاصمتهم التي تعتبر من أعلى مدن العالم في نسب الجريمة، لكنهم أصروا على أن «السلام وأجواء الفرح يجب أن تعم مدينة ريو خلال فترة الكرنفال».

ولا شك أن لكل شعب خصائصه ومفاهيمه الثقافية ومعتقداته الخاصة التي قد تختلف عن غيره من الشعوب الأخرى، لكن كل الديانات والثقافات تبيح الفرح وتشجع عليه، وقد تجعله فريضة أيضا، ما دام في حدود الموازين والأعراف المنسجمة مع ثقافة المجتمع وعقيدته.

وقد حث الإسلام على الترويح عن النفس، كما ورد في الحديث الشريف «روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كَلّت عميت»، وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه «روّحوا القلوب ساعة فإنها إذا أُكرهت عميت»، ومؤلفات كبار العلماء المسلمين في هذا الباب عديدة لمن يريد الرجوع إليها، ومنها على سبيل المثال «إحياء علوم الدين» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي.

فلماذا نمتهن العسر وقد أُعطينا اليُسر؟ ولماذا نحرم أنفسنا مما أحله الله لنا؟ بل لماذا تناسينا الصبر واحترفنا الشدة؟ وكيف نلزم أنفسنا بما لا يلزمنا ولا يجوز لنا؟

إننا نحتاج إلى إعادة النظر في الكثير من أمورنا ومفاهيمنا المغلوطة، ولعل من اشد ما نحتاجه أن نعيد شيئا من اليسر والبهجة إلى نفوسنا وقلوبنا، قبل أن تكِل وتعمَى أكثر مما هي متكلسة كئيبة.

لا نريد أن نقلد غيرنا في ما يخالف عقائدنا وثوابتنا الدينية والثقافية، لكننا في المقابل لا نرضى أن نخالف هذه الثوابت بحرماننا مما أحلته لنا ليستمتع به الآخرون، وكأننا نؤكد ما قاله منذ نحو قرن من الزمان شيخ النهضة والإصلاح الشيخ محمد عبده أثناء زيارته لفرنسا أوائل القرن الماضي حين قال «تركت إسلاما من غير مسلمين، ووجدت مسلمين بلا إسلام»!

فهل آن الأوان لنخصص يوما للفرح، تتوحد فيه الأمة من أطرافها لتنشر البهجة والسرور، وتكف عن افتعال المعارك والخصومات وارتكاب المجازر والأزمات، وتتخلى عن كل شيء.. إلا ما يفرح ويسر؟!