أطلق الانجليز مصطلح المياه الدافئة على مياه الخليج العربي في فترة صراعاتهم بين القوى والإمبراطوريات الكبرى في القرنين الثامن والتاسع عشر «ومع مطلع القرن التاسع عشر تحول الخليج إلى بحيرة بريطانية كما وصفها المؤرخون والساسة» فبسطوا هيمنتهم على مناطق بالكامل»، ففي ذلك الزمن البعيد كان قريباً من تلك المياه الدافئة «الإمبراطورية العثمانية» والقيصرية الروسية «في عز قوتهما.

حيث كانت ملحقاتها في الشرق ممتدة للحدود الفارسية «كما كانت تحلم منافستها فرنسا والحليف الدائم للقياصرة ضدهم أن تشاطرها تلك المياه وكثيراً ما حاولت اختراق الحصون الانجليزية بشتى الوسائل «بما فيها إمبراطورية التاج البريطاني في الهند»، ولكن الفرنسيين لم يتمكنوا في شبه القارة الهندية إلا من خمس ولايات هندية «وعلاقات طيبة وجيدة مع سلطنة عمان» بعدها بعقود حسمت بريطانيا سيطرتها بقوة على المنطقة باتفاقيات استعمارية أنهت كل تلك المخاوف.

وفي مارس 1914 وافقت بريطانيا والإمبراطورية العثمانية على اقتسام شبه الجزيرة العربية. ولكن تلك المعاهدة فقدت قيمتها باندلاع الحرب العالمية الأولى. ومع هزيمة الرجل المريض وأفول الإمبراطورية العثمانية كان لابد من اقتسام الإرث الواسع لها في مناطق عدة من الشرق.

وانهارت في الوقت ذاته القيصرية عدوها الدائم مع ضربات الثورة البلشفية. وعلى أنقاض ونتائج الحرب عرف العالم والمؤرخون مفاوضات العقير التاريخية التي خط فيها كوكس بالقلم الأحمر وبحذر على خارطة الجزيرة العربية الحدود من الخليج العربي إلى شرقي الأردن.

في تلك الظروف الدولية نهضت المملكة العربية السعودية كدولة عصرية مثل ولادة السلطة السوفييتية ومن مفارقة الصراعات والتناقضات الدولية يومها تم التبادل الدبلوماسي بين الاتحاد السوفييتي والمملكة في عام 1920 «وفي مارس 1924 افتتحت في جدة قنصلية عامة سوفييتية مما أثار حنق البريطانيين وفق الوثائق التاريخية التي أشار إليها المؤرخ والمستشرق الروسي ألكسي فاسيلييف المختص بتاريخ المنطقة وله العديد من المؤلفات في هذا الحقل.

فإذا ما سبق وان نقل انطباعه أحد المرسلين من قبل بريطانيا للاستكشاف بما في تلك المنطقة الصحراوية المجهولة من أسرار قائلاً عندما عاد «إنها ليست إلا كثبان من الرمل» فان جورج لويد كتب بعد الحرب العالمية الأولى أثناء اقتسام الدول الاستعمارية الأوروبية أراضي الانتداب على أشلاء الإمبراطورية العثمانية: «إن أحداً ما لا ينوي إرسال قوات أجنبية لاحتلال جزء ما من الجزيرة العربية. فهي بلد فقير جداً لا يستحق أن تحتله دولة ضارية». ولم يتبادر إلى ذهن أحد إن بالإمكان أن تختزن تلك الأرض في باطنها احتياطيات أسطورية من النفط.

ويعتبر المؤرخون الروس حالياً أن أكبر خطأ تاريخي وحماقة سياسية ارتكبها ستالين ضمن حماقاته الكبرى هو إغلاق السفارة السوفييتية في المملكة السعودية عام 1938 بحجة تقليل النفقات «فقد كانت رؤيته الاستراتيجية والسياسية للمنطقة ضيقة ومحدودة»، فمع هذا الانسحاب الدبلوماسي تبدلت الظروف لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث تعزز بقوة في المنطقة الحضور السياسي لقوة عالمية جديدة هي الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب القوى التقليدية للمنطقة وهم الانجليز والفرنسيين.

بعد ما يزيد على أكثر من ثمانية عقود تمثل زيارة بوتين التاريخية للمملكة وقطر تتويجاً لأحلام القياصرة بالاستحمام بتلك المياه الدافئة بعد أن خسروا مواقعهم في اليمن الجنوبي بعد انتهاء العصر الذهبي هناك بانهيار وذوبان النظامين. ومن محاسن النظام العالمي الجديد انه يترجم نموذجاً جيداً من العلاقات الدولية وإزالة الحواجز والجدران السياسية بين الدول وبحق الجميع بناء وتشكيل التكتلات الاقتصادية ومصالحها والعلاقات القائمة على تلك المصالح بعد أن غابت شمس الإيديولوجيات «وفتحت الأبواب المغلقة على مصراعيها»، وما عادت لدى الحلفاء الغربيين حجج كوابيس الشيوعية المخيفة وإنما كارتيلات النفط والغاز التي أفزعت فكرته الاتحاد الأوروبي قبل غيره فهم يستوردون من روسيا 44% من حاجتهم من الغاز.

لهذا اهتم بوتين في زيارته بجانبين سياسي واقتصادي «إذ على الجانب الأول ناقش في الرياض والدوحة ملفات ساخنة كالملف الفلسطيني والنووي ومشكلة العراق ولبنان وسوريا وأهمية أن تكسب روسيا الاتحادية كدولة في مجلس الأمن نجاحها الدولي كقوة مهمة ولاعب أساسي في الشرق الأوسط بعقد قمة دولية في موسكو لحل مسألة الصراع في الشرق الأوسط.

بينما تضمن الملف الثاني وهو المهم أيضاً تطوير وتعزيز العلاقات مع البلدين والانطلاق نحو المستقبل بلقاء 200 من رجال الأعمال في السعودية ودعوتهم للاستثمار بالفرص الذهبية المتاحة، مثلما رافقه وفد من رجال الأعمال الروس مكون من ستين شخصاً، لكي يبدأ الجميع مسيرتهم الاقتصادية».

في الوقت الذي تعتبر روسيا والسعودية عملاقان في عالم النفط والطاقة فان روسيا وقطر هما العملاقان في مجال الغاز ولدى الطرفين مع روسيا الأرضية المشتركة لتعميق تلك العلاقات الاقتصادية «وكان واضحاً من تصريح بوتين بأن روسيا مستعدة أن تستثمر في المملكة مليارين وتطوير التوسعة في التنقيب في حقول النفط».

وتقديم كل التسهيلات في بيع صفقات السلاح لدولة تسعى بتوجهاتها الجديدة بالنظر للشرق وبتنويع مصادر سلاحها والاهتمام بالتوازن في العلاقات الدولية فقد وتّرت الولايات المتحدة علاقاتها مع حلفائها التاريخيين بعد أحداث سبتمبر وتصرفت مع الجميع بروح الاستعلاء والهيمنة وتناست الشراكة والتعاون التاريخيين في المصالح الحيوية والاستراتيجية بين البلدين.

لقد وقع الروس في تلك الزيارة التاريخية لبوتين اتفاقيات ومذكرات عدة في مجال التعليم والمواصلات والطاقة والنفط والتكنولوجيا والرياضة والتجارة لتبدأ مرحلة تاريخية جديدة بين البلدين تعطلت وتباطأت خلال ثمانية عقود، ولكن مؤشرات التبادل التجاري خلال الخمس سنوات الأخيرة تشير إلى زيادة بلغت خمسة أضعاف مما يفتح آفاقاً واسعة من العلاقات.

نبرة بوتين الغاضبة للأميركيين أعادت للأذهان مناخ سباق التسلح ولغة الحرب الباردة مما دفع بغيتس وزير الدفاع الأميركي أن يقول «تكفي حرب باردة واحدة» وقرر أن يزور روسيا قريباً لتخفيف التوتر. وبذلك يواصل بوتين التلميذ الذي تربى على يد عراب ومهندس سياسة الشرق الأوسط يفغيني بريماكوف «مردداً ما قاله غورباتشوف بشكل آخر بعد مغادرته الرئاسة: «إن الولايات المتحدة تتصرف مؤخراً بزهو وغطرسة».

كاتب بحريني