لم تكن مفاجأة لأحد أن الاجتماع الثلاثي الذي انعقد في القدس أمس بين كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية‏ والرئيس الفلسطيني محمود عباس‏,‏ ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ـ لم يسفر عن أي نتائج إيجابية يمكن أن تسهم في دفع جهود السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي‏,‏ ويبدو أن هذا المعنى كان واضحا وجليا من عدة اعتبارات أبرزها‏:‏

أولا‏:‏ أن البيان الذي تلته رايس عقب الاجتماع‏,‏ لم تنطو عباراته الفضفاضة عما يوحي بأي اختراق أو تقدم في اتجاه التوصل إلى حل المشكلة الفلسطينية‏,‏ فقد اكتفت رايس بترديد الموقف الأميركي المعروف عن الالتزام بإقامة الدولتين‏:‏ الإسرائيلية والفلسطينية‏,‏ والتزام واشنطن بخريطة الطريق‏.‏

كما أشارت رايس إلى أن الاجتماع الثلاثي تناول بنود اتفاق مكة بين فتح وحماس‏,‏ وموقف اللجنة الرباعية الدولية القاضي بضرورة أن تلتزم أي حكومة فلسطينية بالشروط الثلاثة للرباعية وهي اعتراف الحكومة الفلسطينية بإسرائيل‏,‏ والاعتراف بالاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل‏,‏ ونبذ العنف‏.‏

ثانيا‏:‏ أن إسرائيل كانت قد بادرت بإطلاق زوبعة من الشكوك حول الاجتماع الثلاثي‏,‏ وذلك انطلاقا من أن اتفاق مكة لا يحقق حلم إسرائيل ـ على حد تعبير صيغة هاآرتس في‏11‏ من الشهر الحالي‏، وركزت الصحيفة على أن الاتفاق لا يعترف بإسرائيل ولا يتضمن أي إشارة لنبذ العنف‏.‏

ولم تكن هاآرتس تعبر عن وجهة نظرها‏,‏ وإنما كانت تعبر عن موقف أقطاب الحكومة الإسرائيلية‏، وكانت تصريحات إيهود أولمرت واضحة في تأكيد رفض الحكومة الإسرائيلية التعامل مع أي حكومة فلسطينية لا تعترف بإسرائيل‏,‏ ولا تلتزم بشروط الرباعية الدولية الأخرى‏.‏

بيد أن الملاحظ في هذا الإطار‏,‏ أن ثمة تصريحات كانت تطلقها كوندوليزا رايس توحي باصرار أميركي على ضرورة تفعيل الاجتماع الثلاثي‏..‏ لكن هذا الموقف الأميركي انقلب‏,‏ فيما يبدو رأسا على عقب‏.‏ كما يشير مراقبون سياسيون‏,‏ إثر مكالمة هاتفية يوم الجمعة الماضي‏,‏ بين الرئيس الأميركي بوش وإيهود أولمرت‏، فقد أيد بوش أولمرت في موقفه‏..‏ وأكد له أن واشنطن لن تعترف بالحكومة الفلسطينية الجديدة إلا إذا أعلنت صراحة عن قبولها شروط الرباعية الدولية‏.‏

ويكشف هذا الموقف الأميركي بوضوح عن أن الاجتماع الثلاثي الذي انعقد أمس كان مقررا له ألا يسفر عن أي نتائج إيجابية وأنه لم يكن سوى مناسبة لالتقاط صور تذكارية ـ على حد تعبير مسئول فلسطيني ـ‏.‏

وهنا يتعين الإشارة إلى أن أميركا تتآكل مصداقيتها فيما يتصل بتحركها الدبلوماسي الصوري تجاه إمكان حل القضية الفلسطينية‏,‏ وليس أدل على ذلك من أن الرئيس بوش وأقطاب إدارته لم يأخذوا بتقرير بيكر وزير الخارجية الأسبق بشأن الأزمة العراقية‏,‏ لأنه كان يتضمن ضرورة التوصل لحل للمشكلة الفلسطينية‏,‏ باعتبارها جوهر النزاع في الشرق الأوسط‏,‏ وأن حل هذه المشكلة يمكن أن يسهم في اقناع أطراف عربية بمساندة أميركا في المنطقة‏.‏

ولم يغفل هذا الأمر عن بوش عندما طرح خطته لتعزيز القوات الأميركية في العراق‏، فقد كشفت مصادر أميركية آنذاك عن أن خطة بوش العراقية سوف تغلف بتحرك دبلوماسي أميركي للايهام بالسعي لحل المشكلة الفلسطينية‏.‏ ومما لاشك فيه أن الملابسات التي أحاطت بالاجتماع الثلاثي قد تعزز هذا الرأي‏..‏ وتشير إلى أن واشنطن لا تريد أن تبرح خندق الموقف الإسرائيلي‏.‏

ومما لاجدال فيه أن كوندوليزا رايس عبرت قبل ساعات من الاجتماع الثلاثي عن الموقف الإسرائيلي‏,‏ وذكرت أن الاجتماع الثلاثي لن ينطوي على أي مفاوضات وإنما مجرد مناقشات غير رسمية‏,‏ وأضافت أن مجرد اللقاء يمثل انجازا في حد ذاته‏!‏

ولأن الاجتماع الثلاثي كان كذلك‏,‏ ولم يسفر عن أي نتائج إيجابية‏,‏ فمن المرجح أن تكون انعكاساته السلبية فادحة على منطقة الشرق الأوسط‏,‏ في وقت تواصل فيه إسرائيل استفزاز الفلسطينيين والعرب والمسلمين بالحفائر التي تجريها في محيط المسجد الأقصى‏.‏

ولايمكن للدبلوماسية الأميركية أن تعفي نفسها من المسئولية عن الأوضاع التي تزداد اضطرابا وعنفا في الشرق الأوسط‏.‏