تحدثت في مقال سابق عن الثقافة ودورها في تحديد قدرة القانون على تعريف حقوق الأفراد والجماعات وحمايتها عند الحاجة. ومما جاء في ذلك المقال، القول إن فاعلية القانون تعتمد اعتمادا كبيرا على درجة انسجامه مع الثقافة الشعبية السائدة، ومدى قدرة تلك الثقافة على استيعاب القانون كجزء من عاداتها وتقاليدها المتعارف عليها من قبل عامة الناس. وهذا يعني أنه ليس بإمكان القانون أن يحظى بالقبول والاحترام، إلا إذا كان نابعا من الثقافة السائدة، أو إذا تم تطوير المفاهيم الثقافية العامة لتصبح قادرة على فهم القانون وتقبل ما يمليه من التزامات.

وحيث إن الحديث عن الثقافة العربية وحقوق الفرد اقتصر على التحليل النظري دون إعطاء أمثلة تبرز عمق التحدي الثقافي الذي تواجهه الأمة العربية، فقد رأينا أن نقدم اليوم بعض الأمثلة التي توضح أشكال وأبعاد المشكلة الثقافية. وأود الإشارة هنا إلى أن الأمثلة التي سيأتي ذكرها هي قصص حقيقية من إحدى الدول العربية الواقعة في القارة الآسيوية.

وأن أبطالها يتصفون، على الأقل من وجهة نظر الجمهور، بالوعي، وأحيانا بالثقافة. وتعكس تلك الأمثلة مدى التشوه الذي تعاني منه المفاهيم الثقافية العربية بوجه عام، ومدى قدرة الإنسان العربي على رؤية الكثير من المواقف السلبية في صورة ايجابية تسمح له بالتصرف الخاطئ، وإلحاق الضرر بمصالح الغير والمجتمع.

حدثنا أحد الأقرباء في أمسية عادية عن مشكلة واجهته ووجد لها الحل الناجع من خلال استخدام علاقاته الاجتماعية وموقعه من سكان الحي الذي يقطن فيه. قال أبو سعيد في سياق الحديث عن أبنائه، إن عامر، الابن الأكثر فشلا وبعدا عن تحمل المسؤولية، قد أتعبه كثيرا وأنه كاد أن يتسبب في إغلاق المحل التجاري الذي ائتمنه على إدارته، وذلك بسبب سوء معاملته للزبائن.

ثم قال إنه اكتشف أن عامر اشترى سيارة دون استشارته، ودون أن تكون لديه رخصة قيادة سيارات، أو حتى خبرة في سياقة السيارات. ثم أضاف أبو سعيد بشيء من التفاخر أنه ذهب إلى مكتب صديقه مدير الأمن في المنطقة وأخبره بما حدث، قائلا إن عامر خلق له مشكلة عويصة ولا يدري لها حلا. أجابه الضابط الشهم: لا يمكن أن يكون عندك مشكلة ما دمت أنا حيا، ثم أقسم له برب العالمين أن عامر سيحصل على رخصة القيادة في اليوم التالي دون أن يجلس على كرسي السيارة لامتحانه.

وبعد سرد هذه القصة الشيقة ابتسم صديقنا ابتسامة الواثق من متانة علاقاته الاجتماعية وأهمية موقعه المجتمعي، وشرح لنا كيف أن العلاقات مع السلطة تفتح أهم وأصعب الأبواب لحل كل المشاكل، ثم أثنى على شهامة صديقه ووفائه لأصدقائه. سألت أبو سعيد بعد ذلك عما إذا كان قد فكر في حياة ابنه الذي سيسوق سيارة دون خبرة.

وفي حياة الغير من المشاة والسائقين الذين سيكون من الصعب عليهم تجنب التعرض لجنون سيارة يتصف سائقها بعدم الخبرة وضعف الإحساس بالمسؤولية. ثم أضفت قائلا إن صديقك الوفي لا يخدمك بمساعدة ابنك على الحصول على رخصة دون دراية، إنه في الواقع يحل لك مشكلة مؤقتة ويضعك على الطريق إلى كارثة، قد تتسبب في قيام ابنك بقتل أبرياء أو قتل نفسه، أو التسبب في حادث مروري يقعده حتى عن المشي والكلام طيلة حياته.

دعاني أحد الأصدقاء، وهو طبيب يعيش ويزاول مهنة الطب في أوروبا، لحضور حفل زواج ابنته في احد الفنادق الفخمة بعاصمة عربية آسيوية. وبعد أن شكرت الصديق على دعوته الكريمة، أخبرته بأنني لن أستطيع على الأغلب البقاء حتى يحين موعد العشاء، وذلك بسبب الدخان الكثير في مثل تلك المناسبات، وحساسيتي الشديدة للتدخين.

ولقد جاء رد فعله على تلك الملاحظة عفويا حيث قال: الله يشفيك. وفي الحال أجبته قائلا: إنني لست مريضا، لكن الناس الذين يحترفون التدخين من أمثالك هم المرضى. طبعا لم يعجبه الكلام، وهذا جعلني أسأله عما إذا كان يعتبر التدخين إدمانا على شيء سيئ.

وأن الإدمان مرض... لم يكن بإمكانه سوى الموافقة. هكذا مجتمعاتنا، ترى المرض حين يصبح عادة قبيحة شيئا عاديا، وترى في من يخالف تلك العادة إنسانا مريضا... فالعادة، مهما كانت مساوئها هي الأساس، وفيما عدا ذلك من معارف ومواقف وعلوم، مهما كانت فوائدها، هي الأمر الشاذ. وفي الواقع، التدخين هو أخطر أمراض العصر على الإطلاق، والمدخنون هم أخطر ظاهرة مرضية تعاني منها الشعوب العربية.

تسمم قبل بضعة أشهر أكثر من 700 شخص في مدينة عربية آسيوية جراء تناول الشاورما في عدة مطاعم، مما استدعى نقلهم إلى المستشفيات، لكن الحادث لم يثير ردود فعل في مستوى الحدث. ففي بلد ديمقراطي، يمكن لحادث كهذا أن يتسبب في استقالة الحكومة أو استقالة وزير الصحة والمسؤولين عن رقابة المطاعم والأغذية على الأقل.

إذ على الرغم من أن عمليات تسمم كهذه تضر بسمعة تلك الدولة العربية الآسيوية كمركز علاج صحي وبلد سياحي، إلا أن الحادث لم يخدش مكانة أو سمعة أي مسؤول حكومي. ويعود السبب في ذلك إلى عدة عوامل، في مقدمتها الإيمان بأن ما حدث قضاء وقدر. وفي جو كهذا يغدو كل مسئول فوق النقد والعقاب، ويصبح من الصعب حدوث تقدم في الوعي الجماهيري، وتحسن في أداء الدولة، وقيام القانون بدوره المجتمعي.

إن من الواضح أن سيادة مثل هذه المفاهيم الثقافية تجعل من الواسطة والمحسوبية والعشائرية مزايا يمكن استخدامها، بل تحتم العمل على تنميتها باستمرار من اجل الحصول على حقوق لا يجيزها القانون ولا تخدم مصلحة المجتمع. وبسبب تعارض تلك الأمور مع كل قانون مدني يعترف بحقوق الفرد، ويسعى لتحقيق العدالة ورفع الإنتاجية،.

وتطبيق مقولة «الرجل المناسب في المكان المناسب»، فإن مأسسة الواسطة والعشائرية والمحسوبية أصبحت عائقا يحول دون سيادة القانون، ودون تحقيق العدالة، ودون تحقيق النهضة. وهذا يعني أنه دون تطوير المفاهيم الثقافية والعادات والتقاليد السائدة، فإنه لن يكون بالإمكان سيادة قانون، ولا حدوث تحسن في الأداء الحكومي، ولا ارتفاع ملموس في الإنتاجية، ولا تحقيق التقدم المنشود في المجتمع.