ثمة مفارقة صارخة يشهدها الوضع اللبناني الراهن. من جهة، طالت أزمته وتفاقمت إلى حد خانق، وصار التأخير في العثور على مخرج لها محفوفاً بعواقب كارثية، ومن جهة ثانية، هي وصلت إلى حد من الانسداد وسرعة العطب، بحيث صار تجميدها عنده مطلباً، لأن البديل مفتوح على انهيارات قاتلة، الحلحلة مفقودة وحتى اللحظة، والتصعيد مجازفة مكلفة، المشاورات والاتصالات الإقليمية حكمت بوضع الأزمة في ثلاجة الانتظار، خاصة وان هذه المداولات لا تزال جارية.
الأمر الذي أنعش الأمل باحتمال التوصل إلى صيغة أو معادلة تشكل فتحة في جدار المأزق. عزز مثل هذه الأجواء صدور تلميحات وإشارات عن عواصم هذه التحركات تشي على الأقل بوجود نية وتصميم على إيجاد المخارج، وصب في مجراها تأكيد الأمين العام للجامعة العربية بأن الوضع في لبنان «ليس ميؤوساً منه»، وان المحاولات ومواصلة السعي لن تتوقف قبل تحقيق المطلوب.
فضلاً عن ذلك ثمة حالة ملحوظة من هبوط درجة التوتر عموماً في المنطقة، وبالتحديد منذ اتفاق مكة،فإن وقف النزف الفلسطيني فضلا عن أجواء الارتياح والترحيب، ترك الانطباع بأن هناك رغبة في الفرملة، ليس على الصعيد الفلسطيني فحسب، بل أيضا على مستوى المنطقة، وربما كان الاتفاق مع كوريا الشمالية على تسوية لملفها النووي، قد ساهم في إشاعة اعتقاد، حمل على ترجيح نتيجة متشابهة للملف النووي الإيراني.
كل ذلك انعكس في تخفيف حدة الخطاب السياسي العام كما في تكثيف التعاون والتنسيق بين العواصم النافذة في المنطقة، بالنسبة للبؤر الساخنة فيها. وقد بدا ذلك في الزيارات والجولات المكوكية المكثفة، والتي انطوت على إشارات توحي بإمكانية دخول الأوضاع في مناخ من التقاط الأنفاس، الأمر الذي أدى إلى الاستنتاج بأن الساحة اللبنانية لابد وأن تكون من بين الساحات التي سوف تشملها نعمة الانفراج، أو على الأقل انفتاح بابه عليها.
لكن في الآونة الأخيرة وبالرغم من حالة السكون النسبي، شهد الخطاب اللبناني درجة من التعنيف غير المسبوق، استثار ذلك الساحة وأعادها إلى لغة التراشق، مع ذلك بقيت التهدئة سارية المفعول ومن المتوقع أن تبقى المراوحة سيدة الموقف طالما بقيت المساعي الإقليمية جارية.
لكن هذه التحركات بحاجة إلى مساندة داخلية كما إلى عملية تواصل داخلي موازية، حتى إذا ما تمخضت الأولى عن تفاهمات ومخارج، تكون عندئذ الساحة الداخلية جاهزة المزاج للمضي قدماً بالحلول الميسورة، والواقع أن هناك حالة من القطيعة بين القيادات اللبنانية، فهي تتخاطب إما بالواسطة وإما على مستوى الصف الثاني منها، وفي ذلك زيادة للاحتقان وبما يهدد أجواء الترقب، وربما شجع على القيام بما يؤدي إلى التخريب عليها وإعادة البلبلة والغليان إلى الوضع. كما حصل قبل أيام، من خلال تفجير الباصين.
الانتظار في الظرف اللبناني الحالي مطلب، طالما أن التسوية غير متوفرة، لكنه يبقى أقرب إلى القنبلة الموقوتة طالما بقي يعول على الوساطات الإقليمية ـ المطلوبة والمشكورة ـ لوحدها ومن دون مواكبتها بحركة تساهم، على الأقل، في ترطيب الأجواء بدلا من تركها على حالها المأزوم، ناهيك بزيادة تأزيمه، تهيئة الأرضية الداخلية شرط ضروري لإنجاح هذه المساعي وتثميرها.