لم يكن متصوراً أبداً أن تتجرأ حكومة في دولة أوروبية حليفة للولايات المتحدة على تقديم شخصيات استخباراتية أو عسكرية أميركية إلى محاكمة جنائية. ولذ فإن إقدام الحكومة الإيطالية على محاكمة عدد كبير من عناصر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ينبغي أن ينظر إليه كإحدى العلامات المتواترة على التذمر الأوروبي المتنامي ضد أميركا.

لقد أمر قاض إيطالي عند نهاية الأسبوع الماضي بمحاكمة 26 أميركياً أغلبهم من رجال وكالة الاستخبارات الأميركية ومعهم عناصر من الاستخبارات الإيطالية، بتهمة اختطاف مواطن عربي ونقله جواً إلى بلاده ليعتقل فور وصوله هناك ويتلقى ألواناً من التعذيب الجسدي والنفسي. ومن بين من تشملهم قائمة الاتهام رئيسا وكالة الاستخبارات الأميركية في روما وميلانو ورئيس الاستخبارات العسكرية الإيطالية السابق.

بداية الواقعة كانت في أحد شوارع مدينة ملاينو الايطالية عندما قام فريق أمني بقيادة الاستخبارات الأميركية ومساعدة الاستخبارات العسكرية الإيطالية، بالإمساك بمواطن عربي يدعى حسن مصطفى واشتهر بكنية أبوعمر، ووضعه في حافلة صغيرة وترحيله لاحقا إلى بلاده. كان أبوعمر إمام مسجد ميلانو.

في سياق متصل أمر قاضٍ إيطالي أيضا بإحالة جندي أميركي إلى محاكمة بتهمة التورط في مقتل أحد كبار ضباط الاستخبارات الإيطالية ويدعى نيكولا كاليباري.

قتل كاليباري في بغداد حيث كان موفدا للتفاوض مع جماعة عراقية اختطفت صحافية ايطالية. ونجحت العملية التفاوضية فقد أطلق الخاطفون سراح الصحافية. ولكن عندما كان الضابط يصطحبها داخل سيارة متوجهين إلى مطار بغداد للسفر إلى إيطاليا على متن طائرة خاصة، أطلقت عليهما دورية أميركية نيرانا مكثفة فمات الضابط على الفور ونجت الصحافية جوليان سفرينا بأعجوبة.

وقد تبين من خلال التحقيق الإيطالي أن إطلاق النار على السيارة ومن فيها كان متعمدا، وأن الهدف المقصود كان في الحقيقة الصحافية سفرينا نفسها.. فقد عرف عنها فضحها لممارسات القوات الأميركية المشينة التي كانت تستهدف المدنيين العراقيين العزل، من خلال نشر تحقيقات صحافية ذات طبيعة استقصائية.

استخفاف الضباط والجنود الأميركيين بالقانون في إيطاليا وغيرها ظل معروفا لعقود زمنية، لكن الأمر يبدو مختلفا الآن بعد أن تحركت أحزاب سياسية وجماعات حقوق الإنسان متجاوبة مع تذمر شعبي متصاعد. وقد عمد رئيس الوزراء السابق برلسكوني إلى تجاهل هذا التحرك، ساعيا في الوقت نفسه إلى تعطيل دوران عجلة العدالة لكي لا يطال القانون مسلك الأميركيين. وكان هذا أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى خسران حزبه الانتخابات.

ويبدو أن هذا التذمر مرشح للانتشار على المستوى الأوروبي العام. فقد أجاز البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي تقريراً نهائياً يدين ممارسات الأجهزة الاستخباراتية الأميركية في نقل «مشتبه بهم» من عرب ومسلمين، عبر رحلات جوية سرية إلى معتقلات سرية في أنحاء أوروبا، في خرق صريح للقوانين الأوروبية. البرلمان الأوروبي هيئة لا تملك صلاحيات تشريعية أو تنفيذية، لكن تقريره الصريح يؤشر دون شك الى تصاعد التذمر الشعبي ضد الولايات المتحدة.