إن لم تخني الذاكرة، كان يوم الاحتفال بما يسمى عيد الحب لسنة 2003 هو نفس اليوم الذي اجتمع فيه أعضاء مجلس الأمن للتشاور حول قضية توجيه ضربة عسكرية للعراق. وعلى ما أذكر، وحسب ما بثته وسائل الإعلام المرئي والمقروء، تبادل غالبية المتحدثين في الجلسة التاريخية تلك، وقبل البدء بحديثهم عن العراق، التهاني بعيد الحب.

ومنهم من انتهز الفرصة، خاصة المعارضين للحرب، لتوظيف الاحتفال بعيد الحب بالحديث عن السلام في العالم، ودعوا أن يكون خيار الحرب هو الخيار الأخير. من الجانب الآخر، ظهرت المعارضة الشعبية في بعض الدول موظفة احتفالها بعيد الحب لتعبر عن رفضها للحرب رافعة شعارات حمراء ووردية اللون مكتوب عليها «الحرب تحطم قلوبنا».

ولكن لا حياة لمن تنادي. لأن العطش للحرب كان أكبر بكثير من ذلك الذي كان للحب، بل أنه كان هناك من وظف معنى الحب الجميل لتبرير فعل الحرب، من حيث أنها، كما كانوا يدعون، ستخلص كثيرا من الأبرياء من نظام ظالم وستجعلهم ينعمون بالحرية والرفاهية، وسيعم الحب بينهم. وها نحن بعد خمس سنوات، وبعد مرور خمسة أعياد حب، وغيرها من الأعياد الأخرى، نلاحظ أنه لم يشهد الشعب العراقي غير الدمار والخوف، ولم يختبر غير الموت ورائحة الجثث.

لا يمر يوما واحدا، أو حتى نصف يوم، دون أن نسمع عن قتل جماعي لأفراد الشعب العراقي، لدرجة أصبح فيها هذا الموت العراقي اليومي أمرا مألوفا. في البداية كنا نفغر أفواهنا وتتسارع دقات قلوبنا خوفا ورعبا من أعداد الموتى العراقيين، لاحقا أصبحنا فقط نهز رؤوسنا تأسفا على أرواح بني عمنا في ارض الرافدين، مرددين كلمة «لا حول ولا قوة إلا بالله». اليوم نمر على الخبر بشكل سريع، دون الوقوف لمعرفة حيثيات هذا الموت اليومي.

البعض منا يشعر بالقهر والعجز، ولا يريد معرفة الكثير عن موت العراقيين، حتى لا يتأزم روحيا ونفسيا، والبعض الآخر حصل عنده ما يشبه الألفة أو «التطبيع» مع أخبار الموت، وأصبحت رؤية الجثث المنتفخة والملقية على الأرصفة بالنسبة له شيئا مألوفا، وكأنه أحد أفلام الأكشن الهوليودية.

اليوم نرى البعض من البشر يحتسي فنجان قهوته في مقهى وهو يقرأ أخبار موت العراقيين، ويتلذذ بـ «الكافيه لاته» طاويا صفحات أخبار الموت وباحثا عن صفحة الفنون للإطلاع على قائمة الأفلام التي ستعرض في دور السينما. آخرون يكونون جالسين في احد المقاهي يحتسون الشاي الأخضر ويدخنون معسل التفاح وهم يشاهدون حوادث الموت العراقي على شاشة التلفاز الكبيرة الموجودة في المقهى، ثم يغادر بعضهم لشراء باقة الورد أو الروز الحمراء.

والذي وصل سعر الوردة الواحدة منه إلى خمسة وعشرين درهما في عيد الحب، بعد أن كان سعرها يتراوح بين الخمسة والثمانية دراهم، على حسب الموسم، ثم يركب سيارته متوجها لمن يحب للاحتفال بعيد حبه. نشتري الوردة بخمسة وعشرين درهما والآخرون منا يموتون خوفا وجوعا! ما طعم هذا الحب يا ترى؟ وأية حالة عبثية هذه التي نعيشها؟ وكيف لنا أن نعيش حالتين متناقضتين في نفس الوقت: كيف يكون اللون الأحمر هو لون الدم والموت، وهو في نفس الوقت اللون الذي نحتفي به بالحب!

نحن بحاجة إلى أن نحتفل بالحب أكثر من أي وقت مضى، فعالم اليوم الذي نعيشه بحاجة ماسة لطاقة حب عالية التردد حتى يتوفر له الاستقرار والأمان ويسوده السلام الحقيقي. نحن بحاجة إلى أن نحتفل بتعددية واختلاف حضورنا البشري، وهذا الاحتفاء لن يحدث بدون حب، لأنه بالحب وحده سيقبل كل منا الآخر بكل اختلافاته، ونحن بحاجة إلى أن نحتفل ببيئتنا الحاضنة وخيراتها التي تمدنا بالصحة والقوة، وهذا لا يمكن أن يتحقق بدون حب، فتعاملنا مع بيئتنا اليوم محكوم بمفهوم السيطرة والتسخير وليس الرعاية والحب.

ترى ماذا يمكن أن يحقن دماء الحرب أو الطائفية اليوم في العراق؟ أليست طاقة الحب وحدها هي الكفيلة بذلك! أو ليست هذه هي الطاقة التي جمعت العراقيين كل السنوات السابقة، لدرجة أنه كان من الصعب على القادم من الخارج أن يميز بين من هو الشيعي أو السني أو من هو المسلم أو المسيحي بينهم.

نحن بحاجة كبيرة للحب، ولكن ليس لذلك الحب الفردي المبني والموجه بالمصلحة والإشباع الذاتي البحت، والذي لا يشكل فيه الآخر غير وسيلة لتحقيق هدف شخصي أو لإشباع حاجة ملحة، والذي هو عادة ما ينتهي بتحقق الهدف المرجو. نحن بحاجة لمفهوم الحب الأعم والأشمل، الحب الذي يتجاوز حدود الحسي ليصل إلى درجة الحضور الخلاق الذي تنعكس إيجابياته على العالم المحيط.

كما يصفه الفيلسوف الألماني ماكس شيلر، أنه الحب الرحب المتمدد، الذي يمر متجاوزا القيم الدنيا حتى يصل إلى أعلى مستوى من الرقي القيمي والذي لا يمكن إلا أن يتجلى نوره منعكسا على الجميع. إنه الحب الذي يشكل، كما يقول شيلر، قوة خلاقة مبدعة تدفع كل من تسكن فيه إلى الترفع والرقي في مشاعره وسلوكياته، وإلي إضفاء هذا الترقي ، بدون وعي، على ما حوله.

الحب طاقة إيجابية متوفرة في داخل كل منا، وهي من أرخص أنواع الطاقة لأنها لا تتطلب الكثير من رؤوس الأموال لاستخراجها، ولكنها من أهم وأقوى الطاقات العلاجية في الكون، والتي لا تعالج فقط من تسكن روحه، ولكنها تعالج كل ما يحيط به من عوالم.

ولكننا، للأسف أصبحنا نعيش اليوم في عالم يجعل تدفق هذه الطاقة صعبا، عالم يتفنن في خلق الحواجز لمنع تدفقها، في الوقت الذي يسمح ويشجع بتدفق طاقة الكراهية، والتي هي النقيض أو الوجه المقابل لطاقة الحب؛ فكلما حاصرنا الحب برزت الكراهية، والعكس صحيح. إن أكبر حاجز لتدفق طاقة الحب اليوم هو حاجز الخوف، لأن من يسكنه الخوف تسكنه عدم الثقة والتشكيك ومن ثم الكراهية. والسؤال هنا، من منا اليوم لا يسكنه، بشكل أو بآخر، شكل من أشكال الخوف؟

ولا أقصد هنا بالخوف ذلك الذي يهدد حياتنا بشكل مباشر، ولكنها المخاوف المختلفة التي تظل ساكنة في اللاوعي، سواء أكان خوفا على مصدر الرزق، أو الخوف من الأوضاع السياسية المحيطة، أو هو خوف من حرب قادمة أو خوف من الديون المادية المتراكمة، أو الخوف من عدم التمكن من مجاراة الحياة الاستهلاكية العامة ، أو الخوف من الأنظمة الجائرة والمستبدة، أو الخوف على الهوية الوطنية، وغيرها من المخاوف المادية، والمجردة.

هناك الكثير من مشاعر الخوف المختلفة التي أصبحت أكثر حضورا في حياتنا من أية مشاعر أخرى، ولعل الدول الإمبريالية الكبرى أيقنت أهمية زرع الخوف في الآخر وأصبحت تتفنن في صناعته، لأنه الطاقة الوحيدة التي تمنع تدفق طاقة الحب، تلك الطاقة التي لو تدفقت ستدفع للتصالح والسلام وإلى تعافي العالم من ألم المعاناة والحروب، وهذا بالطبع ليس من مصلحة ساسة تلك الدول الذين يعيشون على روح الكراهية وعلى زرع الخراب في العالم. إنهم طيور الموت التي نتمنى أن تغلبها طيور المحبة، أو طيور الحياة.

جامعة الامارات