لطالما اثبتت مسيرة النضال الفلسطيني ان القائمين على ذلك النضال هم رجال مخلصون لوطنهم ولقضيتهم، رغم تعدد الأطياف والانتماءات واحيانا الشعارات. لكن الآونة الاخيرة شهدت خلافا لذلك حين شرع القادة الجدد للشعب الفلسطيني في الاصطراع على المناصب الى حد الاشتباك المسلح.

لكن جاء اتفاق مكة ليحسم هذا الخلل على عجل، وسجل الاتفاق افضل النقاط لصالح وحدة النضال الفلسطيني، وشعر الشعب الفلسطيني بارتياح لتوصل قادته الى الاتفاق المشار إليه. لكن اسرائيل استشاطت غضبا لفشلها في الوقيعة بين الفصائل الكبرى وبخاصة فتح وحماس، ونحن اليوم امام واقع جديد تشترك فيه كافة الفصائل في التشاور حول حكومة وحدة وطنية ضمن مساحة من الحوار البناء حول البرنامج السياسي الموحد لعمل الحكومة الفلسطينية القادمة.

وكان ينبغي للدول التي تقوم بمهام الوساطة من خلال اللجنة الرباعية الدولية خاصة ان تدعم اتفاق مكة، وتحشد المواقف السياسية خلفه حتى يثمر الوفاق الفلسطيني الجديد ثمرته، خاصة وان تلك اللجنة تضم اكثر دول وتكتلات وهيئات العالم نفوذا مثل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة.

إلا ان ما نراه اليوم هو مجرد اذعان لشروط اسرائيلية استباقية تعجيزية في ثوب اشتراطات (رباعية) فرئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت سبق وحاول عرقلة الاجتماع الثلاثي المقرر اليوم ولما فشل استبق الاجتماع بالاعلان عن (شروط الرباعية) وانها ضرورة للتعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الجديدة التي لم تتشكل بعد ولم يتضح برنامجها السياسي الى الآن.

بل ان المعلقين على الاجتماع الثلاثي يتحدثون عن (استكشاف) عملية السلام، وكأننا لا نزال في اول طريق النضال الفلسطيني.

لقد طال بالفلسطينيين الأمد وهم يطالبون بآلية عمل واضحة المعالم للدخول في مفاوضات الحل النهائي وهذا الطرح هو اقصى ما يمكن للفلسطينيين إبداؤه من حسن النية وسلامة التوجه، الا ان اسرائيل تصر على إعطاء انطباع للعالم ان الجانب الفلسطيني هو السبب في التعويق.

اذا في ظل هذه الظروف يبقى على الفلسطينيين ان يحرصوا اشد الحرص على تنفيذ اتفاق مكة حرفيا وألا يسمحوا بتمرير مواقف او (مؤامرات) لتفجير هذا الاتفاق سواء كانت هذه المواقف من جانب اسرائيل او من جانب احد اعضاء اللجنة الرباعية، حتى يقتنع العالم ان تقرير مصير الشعب الفلسطيني سيكون بيد الفلسطينيين انفسهم وليس عبر مواقف مخزية يدعي فيها الوسطاء الاميركان نزاهة لا وجود لها.

وبكل تأكيد تلعب التحولات الدولية الجارية دورا في كشف المؤامرات الاسرائيلية المدعومة اميركيا وأوروبيا وفي تغليب كفة المصالح الفلسطينية واحترام نضال الشعب الفلسطيني ، ولربما هذا هو السبب الذي يدفع الولايات المتحدة تحديدا الى ممارسة ضغوط على القادة الفلسطينيين للتنازل لاسرائيل والاذعان لشروطها بالحصار تارة وبالإغواء بمعونات تارة اخرى، فهاهي معالم العالم واحدي القطب تؤول الى زوال بعد تعمق مخاوف العالم من (الاخطاء السياسية) الاميركية التي خلقت مآسي للشعوب الاخرى وأولها الشعب الفلسطيني وأحد اهم هذه الاخطاء تلك التحركات التي يتحركها كبار الدبلوماسيين الاميركيين مصحوبين بطنين يصم الآذان عن حرص واشنطن على سلام الشرق الاوسط بينما لا يرى العالم سوى تقهقهر فاضح في اخلاقيات العمل السياسي بالشرق الاوسط وارتهان معيب بمواقف اسرائيلية لا تفضي الى اي حل.

فليحافظ الفلسطينيون على وحدتهم في وجه الضغوط الخارجية وليعضوا على اتفاق مكة بالنواجذ على الأقل لحقن دماء ابنائهم والحفاظ على توحدهم تحت لواء النضال الفلسطيني بمعالمه الناصعة.