اللافت أن تتزامن ثلاثة أحداث أميركية، وحدث عراقي واحد، مع قرب دخول ما أطلق عليه «خطة تأمين بغداد» أسبوعها الأول، وهي معارضة مجلس النواب الاميركى لخطة الرئيس جورج بوش إرسال تعزيزات عسكرية ولوجستية أخرى الى العراق، ووصول وزيرة الخارجية كونداليزا رايس المفاجيء الى بغداد، واعادة فتح الحدود مع ايران وسوريا بعد أن أغلقت الاسبوع الماضي، أما الحدث العراقي، فهو على صلة بتحذير أميركى من ان إدارة الرئيس بوش ستساعد الحكومة العراقية فى اعتقال مقتدى الصدر، إذا اختار الأخير مواجهة القوات الأميركية وغيرها بـ «جيش المهدي»، بدلاً من التزام الصمت والاستمرار في دعم حكومة المالكي تحت طائلة التهديد بوضعه وجيشه الذي يتزعمه على قائمة الارهاب.
مسارعة رايس الى بغداد وضح أنها كانت استطلاعية للاطمئنان على سير الخطة الأمنية فى العاصمة العراقية بعد أن أعطت الولايات المتحدة ظهرها لكل الطروحات التى صدرت من الكونجرس ومن سياسيين أمريكيين بضرورة وضع جدول زمنى للانسحاب من العراق، خاصة تقرير بيكر هاملتون الذى دعا إلى فتح حوارات مع كل من دمشق وطهران تحديدا لإيجاد مخرج للأزمة الامريكية الامنية القائمة فى العراق.
الخطة الأمنية الجديدة التى يجرى تطبيقها فى بغداد حاليا التي دخلت يومها السادس لم تستطع كبح جماح التفجيرات والمفخخات، والاجراءات المتبعة على الحدود العراقية مع كل من سوريا وإيران، واستعدادات السياسيين العراقيين وتحضيراتهم لمرحلة مابعد بغداد لتشمل الخطة الأمنية عموم العراق، لايمكن التقرير على أساسها لإمكانية عودة الحالة في العراق الى ما قبل الغزو الاميركي، أي قبل اربعة أعوام.
فلا إغلاق الحدود مع الجيران يمكن أن يوقف تدفق المقاتلين من مختلف الجنسيات الساعين لمنازلة الجنود الاميركيين في العراق باعتبارها الساحة المتاحة حاليا وقد سبق أن جرب هذا الاجراء سابقا وتبن فشله، ولا بإمكان القوات الاميركية ومعها قوات التحالف.
السيطرة على الحالة الأمنية في العراق مهما تغيرت تكتيكاتهم العسكرية وقويت عملياتهم الاستخبارية ومعلوماتهم عن فصائل المقاومة، ولا حتى إرسال رايس الى بغداد للتحدث عن انتصارات دون كيشوتية تمت بواسطة الخطة الأمنية المسماة «فرض القانون» يمكن ان تضع حدا لأعمال المقاومة أو العنف الممنهج في العراق، أو الدفع باتجاه تحسين الحالة الأمنية الفلتانة هناك دون ان تدرك القيادة الاميركية بان الوقت قد حان لاتباع منهج سياسي واضح يقوم على أولويات الانسحاب من كبريات المدن العراقية.
وتقليل الوجود العسكري فيها الى درجة كبيرة جدا تمهيدا للانسحاب التدريجي بجدول زمني يترافق مع اطلاق يد الوطنيين العراقيين للتفاهم حول كيفية إدارة بلدهم وإعادة اللحمة المذهبية والطائفية والعرقية بين أفراد الشعب على أساس من العدالة الاجتماعية والسياسية والمساواة في توزيع الثروات والعوائد النفطية وغيرها، وإلا فإن الأحداث ستبقى تسير بنفس الصعوبات والأزمات التي لاتنعكس سلبياتها على العراق كدولة موحدة أرضا وشعبا وحسب، ودول المنطقة.
وإنما على الولايات المتحدة التى وضعت نفسها فى بؤرة هذه الاحداث وضلت طريقها عن ايجاد الحل وصمت آذانها عن سماع الآراء والمقترحات سواء من جانب السياسيين الاميركيين أو من جانب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بضرورة ادراك الأسباب الحقيقية للعنف لتعمل على معالجته، فعودة الاستقرار والأمن لشمال العراق وجنوبه وشرقه وغربه ليس بأدوات القهر والقوة والمكابرة، فالعراقيون قد حملوا السلاح في وجه الاحتلال وآمنوا بضرورة مقارعته ومقاومته، وباعتقادنا ان على الادارة الامريكية الخروج بحل مشرف من المستنقع العراقى والشباك التى سقطت فيها، وغير هذا فلا مجال للحديث عن امكانية نجاح أي خطة أمنية او غيرها من الخطط لتأمين بغداد وغيرها من مدن العراق.