يُعتبَرُ الشيخ أبو إسحاق الحويني واحداً من أبرز مشايخ التيار السلفي في مصر. وللشيخ الحويني مئات الدروس والسلاسل العلمية والخطب، بعض منها موجود على المواقع الإلكترونية الإسلامية، كما أن له مئات الأشرطة والعديد من الكتب والرسائل المطبوعة. من مؤلفاته رسالة عنوانها (نهيُ الصُّحبةِ عن النزولِ بالرُّكبة).
يقول إنها بحث استله من كتابه (بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبدالرحمن) ويدور حول خرور المصلي من الركوع إلى السجود، أيكون على اليدين أم على الركبتين؟ ومع أن المسألة ليست بكل ذاك - كما يقول الشيخ الحويني نفسه - إلا أنه اضطر إلى فصلها من الكتاب المشار إليه ونشرها لمناسبة عرضت.
وهي أنه دخل ذات يوم مسجدا ليصلي المغرب فلما قضيت الصلاة قعد لفيف من الشباب يتحدثون همسا، ثم لم يلبثوا إلا قليلا حتى تحول الهمس إلى معركة كلامية وتراشق بسهام الملام، فكان مما سمعه من أحدهم - ويظهر من سياق كلامه أنه ممن يقدم الركبتين في النزول - أنه قال: (لا يقدم اليدين على الركبتين في النزول إلا جاهل. وكيف يجرؤ رجل على نقض ما قاله ابن القيم في (زاد المعاد)؟ لقد رجّح النزول بالركبتين من عشرة أوجه).
فقال له مخالفه: (كيف تصم المخالف بالجهل وفيهم مثل ابن سيد الناس والحافظ والشيخ الألباني؟). فأجابه: (هؤلاء مُحدَثون لا تعلق لهم بالفقه، وبالذات الألباني فإنه هو الذي أحيا هذه المسألة في كتابه صفة الصلاة). ثم دار كلام لم يحب الشيخ حكايته فضرب عن ذكره صفحا كما يقول.
أمّا محصلته فمحزنة مؤلمة، إذ انتهى شجار الشباب إلى فاصل رديء من الشتم للعلماء، ومنهم ابن القيم والحافظ وكذا الألباني. ويقول الشيخ الحويني إنه لم يترك مقامه حتى تكلم مع ذلك الشاب النافر بمزيد من الحكمة والموعظة الحسنة فوجده حديث عهد بمعرفة كتب السلف، وتدرج معه في الحديث فتبين له أن أقرانه استنفروه فنفر، وإن فيه اندفاعا غير حميد. حدث هذا قبل ثلاثة عقود، في أواخر القرن الرابع عشر الهجري (الربع الأخير من القرن الميلادي العشرين).
وقبل كتابة هذه الرسالة بتسعة قرون تقريبا، في أوائل القرن الهجري السادس أعدَّ الشيخ أبوبكر محمد بن الوليد الطرطوشي (1059 - 1127م) رسالة في تحريم «الجبن الرومي» بعد أن سأله - كما يقول موضحا الدافع لتأليف رسالته - جماعة من المسلمين ممن يهمه أمر دينه ويحترز لمعاده أن يوضح لهم أمر الجبن الذي يحمله الروم في السفن إلى الإسكندرية، هل هو محرم أم مكروه أم مباح؟
وقد مضى الشيخ الطرطوشي - الذي وُلِد بالأندلس وانتقل للإقامة بمصر إبّان حكم الفاطميين لها - في وضع تصور لحالات ثلاث من الإباحة إلى التحريم، مستشهدا بالعديد من الأقوال والمواقف كقول طالب العلم الصقلي الذي مر عليهم يوم الحج فسأله الشيخ عن الجبن الرومي فأجاب: (لا خير فيه).
وقد أخذ البحث في الرأي الفقهي حول إباحة وتحريم أكل الجبن الرومي جهدا ووقتا من الشيخ الطرطوشي الذي يقول بعض المحققين إن ما دعاه لتأليف هذه الرسالة غرض سياسي أكثر منه ديني. ذلك أن وعي الشيخ بخطر النصارى المحدق بالمسلمين إما مغربا في الأندلس وصقلية، وإما مشرقا في الشام وفلسطين.
إضافة إلى الخصومة التي كانت بينه وبين قاضي الإسكندرية «مكين الدولة بن حديد» هو ما دعاه إلى تأليف هذه الرسالة التي حرّم فيها أكل الجبن الرومي، لا على أنه جبن ولكن لأن مصدره النصارى، ولأن المنتفع بتوريده هم بنو حديد المعينون من قبل الفاطميين، فضرب بذلك عصفورين بحجر واحد.
ما بين تحريم الشيخ الطرطوشي للجبن الرومي الذي كانت تحمله سفن النصارى إلى الإسكندرية ونهي الشيخ الحويني للصحبة عن النزول بالركبة تسعة قرون كنا نظن أنها كفيلة بتجنيبنا اختلاف أولئك الفتية بأحد مساجد مصر - في الربع الأخير من القرن الميلادي العشرين - على مسألة فرعية هي ليست من صُلب العقيدة، في زمن تعاني فيه الأمة من التفكك والاختلاف باعتراف صاحب رسالة «نهي الصحبة عن النزول بالركبة» الذي رد عليه شيخ آخر برسالة يحث فيها الصحبة على النزول بالركبة، إذ ما كان أغنانا عن اختلاف كهذا على أمور شكلية كهذه ونحن نعيش كل هذه الأزمات، وتتعرض أمتنا لكل هذه النكبات.
وتتمزق أوطاننا إلى دويلات صغيرة ومحميات. فهل ترانا تعلمنا من دروس الماضي لنعرف على أي أرضية نقف اليوم؟ وهل عادت الطائفية المذهبية تلقي بظلالها علينا مثلما ألقت شبهتها - كما يرى البعض - على شيخنا الطرطوشي، وهو من المشايخ الفضلاء والعلماء الأجلاء، عندما ألف رسالته في تحريم الجبن الرومي قبل تسعة قرون؟
يبدو أن الإجابة عن هذه الأسئلة وأي أسئلة على شاكلتها لن تكون مرضية لأولئك الذين تمتلئ نفوسهم غيرة على تاريخ هذه الأمة، وترتعد قلوبهم خوفا على مستقبلها، فكل الشواهد تقول إن الخلاف يزداد كل يوم حدة، وإن الفجوة تزداد كل يوم اتساعا. ما يحدث في العراق من حرب طائفية مذهبية بصريح العبارة لا يدعو إلى التفاؤل.
وما يحدث في لبنان من صراع أخذ هو الآخر ينحى منحى طائفيا مذهبيا (بين المسلمين هذه المرة) لا يدعو إلى التفاؤل، وما يحدث في فلسطين من صراع (بين رفقاء النضال والسلاح هذه المرة) لا يدعو أيضا إلى التفاؤل. فإلى أين نحن ذاهبون؟ وكم من القرون نحن محتاجون كي نردم هذه الهوة التي تطل بوجهها القبيح اليوم لتنسف كل أمل في الوقوف صفا واحدا أمام من يغذي هذه الخلافات المذهبية البغيضة، ويصب عليها المزيد من الزيت كي تزداد اشتعالا؟
ما حدث في أحد المساجد من خلاف قبل ثلاثة عقود بين شباب من أهل السُنّة يتكرر اليوم بأشكال مختلفة بين شباب من السنة والشيعة يدرسون في جامعات أميركية بعيدة، يسعى طلاب شيعة فيها لتأسيس اتحادات خاصة بهم بدعوى أنهم يواجهون التمييز داخل اتحادات الطلبة المسلمين التي يسيطر أهل السنة والجماعة على أغلبها، رغم أن الفكرة وجدت معارضة حتى بين الشيعة أنفسهم.
نحن لا نتمنى بالتأكيد أن يحدث هذا بالقدر نفسه الذي نتمنى معه أن تُلغَى خانة (المذهب) من كل بطاقة تعارف أو كشف بيانات يطلب من أي موظف في أي وزارة أو دائرة أو جهة عمل عند التعيين أو الترقية أو التقييم، لأننا عندما نبدأ في تصنيف الناس حسب مذاهبهم نكون قد رسخنا مبدأ الطائفية المذهبية التي نسعى جميعا إلى إطفاء نيرانها المشتعلة كي لا تحرق الأخضر واليابس، إن كان ثمة بقعة خضراء قد تبقت لدينا، فنحن جميعا خاسرون إن لم نتفق على ذلك، من أي مذهب أو فرقة كنا.
ليس مهما على أي شيء ننزل؛ على أيدينا أو ركبنا، ولكن المهم هو ألا نتنازل لأي سبب عن وحدة أمتنا، وألا نركع ونسجد لأيٍّ كان سوى خالقنا، وأن نتوجه إليه بالدعاء في ركوعنا وسجودنا كي يحمي أمتنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وكي يلطف بنا وينجّينا من شرور أنفسنا، لأنه وحده المطّلع على ما تخفيه قلوبنا مما قد لا تبديه ألسنتنا.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com