من المتوقع أن ينعقد اليوم اللقاء الثلاثي، رايس ـ عباس ـ أولمرت، الموعود. وهو يأتي في أعقاب اتفاق مكة ووسط تكهنات بأن الوزيرة الأميركية قادمة هذه المرة وفي جيبها صيغة لتحريك «عملية السلام». فإدارة الرئيس بوش، وفقاً لهذه التوقعات تبدو عازمة على إعادة تشغيل محرك هذه العملية؛ كي يتاح لها التفرغ لورطتها العراقية والعمل على الخروج منها. بقاء القضية الفلسطينية على حالها، لا يساعدها على معالجة الملف العراقي وتقليص خسائره الأميركية.
وتمضي القراءات المتفائلة في هذا الخصوص لتقول بأن عامل الزمن لم يعد يسمح لإدارة بوش بالمطّ والجرجرة كالعادة. الفرصة الراهنة لتحقيق اختراق على هذه الجبهة؛ قد تكون الأخيرة إذا ما أرادت الإدارة ربط اسمها ورصيدها بأية نقلة نوعية على صعيد أزمة الأزمات في المنطقة. فهي ـ الإدارة ـ لم يبق لها سوى أقل من سنتين. وهي مادة بالكاد تكفي لترجمة «خريطة الطريق»، التي طالما ارتبط اسمها بالرئيس بوش وإدارته.
التعليل هذا قد يبدو في محله، بمقاييس المنطق العملي. لكن بمقاييس ما يحصل على الأرض؛ فإن الصورة مختلفة. اتفاق مكة المكرمة الذي حظي بترحيب واسع، سارعت إسرائيل إلى إطلاق النار عليه، منذ ولادته؛ في محاولة للتخريب عليه واجهاضه.
وإدارة الرئيس بوش تعاملت معه بلغة ملتبسة، ولو أنها تحدثت عن انتظارها ريثما يتم تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة المتفق عليها؛ قبل أن تتخذ موقفها منها لكان أجدى. ثم رفعت حكومة أولمرت من حدّة هجومها على الاتفاق، عندما أعلن مكتب رئيسها، بأن هذا الأخير قد اتفق مع الرئيس بوش، على مقاطعة حكومة الوحدة الوطنية، إذا رفضت تلبية الشروط الدولية ـ على رأسها اعتراف «حماس» بإسرائيل ـ كذلك تحركت المنظمات اليهودية الأميركية النافذة ـ 52 منظمة ـ في هذا الاتجاه لحمل واشنطن على استمرار مقاطعتها للحكومة الفلسطينية الجديدة. فقد عقدت اجتماعاً لها في القدس، خلال اليومين الأخيرين، تحت عنوان «الخطر الإسلامي على اليهود وأميركا».
الغاية جليّة: قطع الطريق على أية احتمالات لاستئناف «عملية السلام» المفترض أن تؤدي إلى ولادة دولة فلسطينية لكن ليس في ذلك جديد. هو حلقة من حملة مزمنة، ترتفع حرارتها كلما لاح بصيص أمل في الأفق، بتعزيز فرص السلام وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي هو حلقة من لعبة التحايل والتملص التي تتقنها إسرائيل؛ والتي طالما لجأت إليها لنسف الاتفاقات والاحتمالات التي اختزنت أية إمكانية من هذا النوع.
وليس من المرتجى أن تتخلى تل أبيب عن هذا الكار. وبالتالي إذا كانت إدارة الرئيس بوش جادة في ما تزعم حول عزمها على دعم إقامة الدولة الفلسطينية فالآن هي اللحظة للحسم وحمل إسرائيل على التوقف عن ممارسة الهروب والتفخيخ. طبعاً السوابق لا تشجع على التفاؤل.
وإلغاء المؤتمر الصحافي المشترك في أعقاب لقاء الوزيرة رايس مع الرئيس الفلسطيني، أشار إلى وجود خلافات عميقة بين الجانبين؛ من نوع إصرار الإدارة الأميركية على مطالبها التعجيزية، هي وإسرائيل؛ مثل اشتراط الاعتراف بإسرائيل، على «حماس». مع أن هذه النقطة تعامل معها اتفاق مكة، الذي ترك لمنظمة التحرير مهمة التفاوض مع الاحتلال.
وبالتالي فان مجرد إعادة إثارة هذا الأمر ينطوي على نية تلغيم لقاء اليوم. كما أنه يشير إلى أن واشنطن كإسرائيل، لا تزال تمارس لعبة الابتزاز والتعجيز لحمل الجانب الفلسطيني على الرفض وتحميله بالتالي مسؤولية الفشل. الكرة الآن، بعد اتفاق مكة، في الملعب الأميركي. الجانب الفلسطيني نهض بالمطلوب منه.