قد يغدو من باب الترف مقارنة الدور الذي يلعبه البرلمان الأوروبي بمجمله أو برلمان كل بلد من بلدان الاتحاد الأوروبي على حدة مع الدور الذي يلعبه اتحاد البرلمانات العربية أو برلمان كل بلد عربي على حدة، هذا في حال وجد في بعضها أصلا مثل تلك المؤسسة الديمقراطية، التي باتت الحاجة إليها كما حاجة الأرض للملح.

لكن ما من شك في أن تلك المقارنة العجولة ليست ضربا من ضروب الخيال الخارج عن لباقة حق الفرد في المجتمع بالسؤال والتساؤل عما يدور حوله من أحداث مهما كبر او صغر شأنها، إذ يكفي أنها تخصه وتتفاعل وتترك أثرا ما فيه إما سلبا أو إيجابا تبعا لمدى مشاركته في صناعة تلك الأحداث.

فبينما تدوي في أرجاء القارة العجوز أصداء نقاش حاد لا أحد يعرف متى أو أين أو كيف سينتهي حول رحلات الطيران السرية، التي قامت بها وكالة المخابرات المركزية الأوروبية ( سي آي إيه) عبر العديد من بلدان أوروبا لنقل معتقلين أو «مختطفين» سريين يشتبه بانتمائهم لتيارات اسلامية توصف بالمتشددة، تم القاء القبض عليهم في اطار حرب قذرة تشنها الإدارة الأميركية باسم الحرية ضد ما يسمى «الإرهاب العالمي».

وفيما يقر البرلمان الأوروبي ، الذي يمثل 27 بلدا أوروبيا هم مجموع أعضاء الاتحاد الأوروبي، تقريرا قدمه نائب إيطالي يدين تلك الرحلات ويطالب بفتح تحقيق واسع النطاق حولها، وبينما تصدر السلطات القضائية الإيطالية مذكرات اعتقال وتأمر بفتح قضية ضد مسؤولين سابقين في أجهزة المخابرات الإيطالية و26 عميلاً من عملاء السي آي إيه متهمين باختطاف إمام مصري يدعى أبوعمر تم ترحيله إلى موطنه الأصلي حيث أودع السجن لسنوات.

بينما يحدث كل هذا، الذي لا يشكل سوى غيض من فيض مفارقات الوطن الفسيح، فإنه بالكاد يسمع أو يقرأ شيئاً في وسائل الاعلام العربية حول هذه الجريمة التي ترتكب بحق الإنسان والإنسانية، ناهيك عن طرح الأمر في الأطر الرسمية المناسبة له، مع أن جل نزلاء تلك الرحلات العابرة للقارات ، الذين تمتعوا أثناءها بأصول الضيافة العريقة من جانب عملاء السي آي إيه وزملائهم في بعض أجهزة المخابرات العربية وغير العربية المعروفة بدورها بعراقة تلك الأصول، هم من مواطني بلدان عربية أو اسلامية على أقل تقدير.

مما تقدم يتبين أن التحرك البرلماني الأوروبي يتعلق فقط بتلك الرحلات من ناحية استخدام مطارات بلدان أوروبا بطريقة سرية غير مشروعة لا تراعي أنظمة الطيران المعمول بها هناك والتي تتطلب معرفة السلطات المحلية بهوية الأشخاص الذين يعبرون أراضيها أو سماءها أو مياهها.

فضلا عن تسامح أو تعاون عدد من الحكومات الأوروبية مع الولايات المتحدة في هذا العمل القذر الذي تجري فصوله تحت جنح الظلام وتدينه كل أعراف وقوانين الأمم والشعوب المتحضرة، والذي وصفه التقرير البرلماني الأوروبي بأنه يشكل انتهاكا صارخا للمبادئ والقيم الأساسية التي قامت عليها الحضارة الغربية على وجه العموم ولمبدأ احترام سيادة الأوطان وحقوق الانسان على وجه الخصوص.

مما تقدم يتبين أن لدى البرلمانات العربية مجتمعة أو كل منها على حدة من المسوغات ما يفوق بكثير ما احتاجه البرلمان الأوروبي منها ليثير هذه العاصفة وليصادق على ذلك التقرير الشاجب، الذي نقح وعدل مئات المرات انسجاما مع ضرورات التوافق والإجماع، فالمسألة تتعلق أولا وليس أخيرا بمواطنين عرب أو مسلمين من حقهم على برلمانات بلدانهم الوقوف على حقيقة أوضاعهم ومصائرهم هم وذويهم، عدا عن أن الكثير من تلك الرحلات إن لم تكن غالبيتها كانت إما تنطلق أو تعبر أو تحط في بلد عربي ما.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ألا يكفي هذا المسوغ للشروع بتحرك ما سواء كان جماعيا أم فرديا للوقوف على حقيقة ما يجري خصوصا وأن عدد تلك الرحلات الوطواطية المعروف حتى الآن قد بلغ 1245 رحلة، من المؤكد أنها حملت على متنها اضعاف أضعاف هذا العدد من الأشخاص المعتقلين بغير وجه حق؟

أم أنه لا يحق للمواطن العربي المغلوب على أمره ما لا يحق لغيره من مواطني بلدان العالم الأخرى في غمرة وكثرة ما يتلقاه يوميا من صفعات تمس جميع مناحي حياته، مما يجعل أمر تلك الرحلات وركابها ضربا من ضروب رفاهية لا يحق له حتى تخيلها في الأحلام أو أضغاثها.

basil@albayan.ae