رفض الرئيس بوش في خطابه الأخير أن يتراجع عن سياسته التي أثبتت فشلها في العراق مؤكداً أن أي تراجع عن السياسة الأميركية الحالية سيؤدي إلى كارثة في العراق وستسقط الحكومة العراقية وسيصبح الشعب الأميركي مهدداً بشكل مباشر. وهذا يعني أن الإدارة الأميركية الحالية لا تنوي الانسحاب من العراق أو أن تحدد جدولاً لانسحاب القوات الأميركية.

ولكن الاستراتيجية الجديدة التي أعلن عنها الرئيس بوش في العراق والمنطقة بأسرها تواجه معارضة شديدة من قبل الحزب الديمقراطي المعارض ومن حزبه الجمهوري بالإضافة إلى الشكوك التي عبر عنها كبار المشرعين والسياسيين والعسكريين حول جدوى هذه الاستراتيجية أو الخطة الأمنية التي أعلنت عنها الحكومة العراقية. وهذا نتيجة لازدياد العنف المتأجج في العراق أو حتى في مناطق الجوار مثل فلسطين ولبنان.

والحملة ضد المواقف والسياسات الأميركية في العراق لم تقتصر حقيقة على مواقف السياسيين وهذا معروف وعلني ولكن عبر عنه مؤخراً العديد من العسكريين. فالأميرال فالون القائد الجديد المعين في العراق كان شديد الحذر في إجابته عندما سئل عن إمكان بزوغ عراق جديد ديمقراطي من وسط العنف الحالي، فأجاب بتحفظ وبتمعن «من الحكمة أن نقلص توقعاتنا في هذا المجال، ربما كان بالإمكان أن يتحول العراق فجأة إلى شيء قريب مما نتمتع به في هذه البلاد ولكن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً».

ونسأل القائد العسكري الأميركي بصراحة هل يمكن أن يتحول العراق إلى بلد ديمقراطي مثل الولايات المتحدة بشكل مفاجئ دون الحاجة إلى عملية تراكمية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تحتاج لعدة عقود من الزمن كما حصل في كل الدول الديمقراطية في الغرب وغيره؟ وهل نسي أو تناسى القائد الأميركي أن العراق أصبح يعاني بقسوة قد تتحول قريباً إلى مزمنة من انقسامات طائفية ومذهبية وعرقية وأن ما تفعله السياسة الأميركية لا يمكن لها أن تقود إلى شيء إلا لمزيد من التمزق والعنف؟

إنه القائد نفسه الذي عندما سُئل من قبل أعضاء لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي بحرج أكبر اضطر إلى القول بلهجة عسكرية محترفة: «إن الاستراتيجية الأميركية السابقة في العراق لم تنجح، وإن الوقت قصير لتطبيق استراتيجيتنا الجديدة». ولا ندري ماذا الذي يعنيه بالوقت القصير هنا أو أنه عنى حتى انتهاء فترة رئاسة بوش بعد أقل من عامين قبل أن تأتي حكومة ديمقراطية أو حتى جمهورية لا تتطابق رؤيتها السياسية مع رؤية الإدارة الحالية.

كما أن هذا التصريح وغيره من التصريحات الأخرى تعكس من جهة حالة القلق التي تسود في الولايات المتحدة من احتمال تحقيق أي نجاح على الصعيد العسكري مع قرار إرسال أكثر من عشرين ألف جندي إضافي إلى العراق، ومن جهة أخرى تعكس خيبة الأمل عند أغلبية المحللين السياسيين والعسكريين لعدم تبني الرئيس بوش تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون وهذا هو الأهم في كل ما ذكر.

فبدلاً من أن تلجأ الإدارة الأميركية إلى حوار جدي مع جميع الأطراف الإقليمية المحيطة بالعراق وخاصة إيران وسوريا لجأت إلى التصعيد الواضح مع إيران اللاعب الأكبر والأقوى في الداخل العراقي. وقد أعلن الرئيس بوش مؤخراً عن اتخاذه قراراً آخراً بتعقب العناصر الإيرانية الموجودة في العراق وأجاز لقواته قتل هذه العناصر معتقداً أن هذا الأمر يسهل تحقيقه أو أنه يتحقق بدون خسارة كبيرة من كل الأطراف في العراق وكأنه نجح في أفغانستان أو غيرها لملاحقة قياديين القاعدة وحكومة طالبان ليقوم بنفس الأمر في العراق.

والأهم من كل هذا نسأل الرئيس بوش هل نجحت أولاً في العراق لتبدأ بممارسة سياسة الضغط أو التهديد الفعلي ضد إيران أم أن الإدارة الأميركية الحالية لا تريد أن تتعلم من دروس الماضي والحاضر ومكتوب أو بالأحرى مفروض على دول هذه المنطقة أن تتحمل وتصمت إزاء التهورات المتتالية لحكومة تلعب لعبة «الكاوبوي» ولا تريد أن تعرف كيف تلعب السياسة حتى تصل إلى هدفها المنشود.

لقد خلص أحدث تقرير للاستخبارات الأميركية نشر في الواشنطن بوست في مطلع الشهر الحالي إلى نتيجة مفادها أن مصطلح «الحرب الأهلية» يصف بالضبط بعض العناصر الأساسية للعنف في العراق. وأضاف التقرير إلى أن الموقف يزداد خطورة وهناك إمكانية لمزيد من التدهور وأن الولايات المتحدة ليس لديها أي سيطرة عليه. وأكد التقرير إلى أنه بالرغم من أن ناشطي «القاعدة» في العراق يمثلون مشكلة، فإن العنف العراقي أصبح المصدر المبدئي للعنف وأكبر تهديد مباشر للأهداف الأميركية.

هناك ضرورة ماسة لأن تقوم الإدارة الأميركية بقفزة سياسية نوعية وواضحة جداً لتستطيع أن تدير الأوضاع في العراق بشكل جيد حتى تتمكن من الانسحاب التدريجي وتنتصر مسيرة السلام في بلد مزقته الحرب الشرسة منذ عام 2003. لقد آن الآوان للإدارة الأميركية أن تعي المعارضة الصاخبة في الولايات المتحدة وخارجها لهذه السياسة أو ما يسمى «بالاستراتيجية الجديدة» في العراق التي اعتمدت أكثر على الأخطاء التكتيكية التي ارتكبت حتى الآن.

والتي اعترف بها البيت الأبيض جزئياً على الأقل، بدلاً من اعتماد تقرير بيكر ـ هاملتون أو حتى الخبراء الآخرين مثل بريجنسكي وغيره الذين يرون أن الأخطاء التي ارتكبتها السياسة الأميركية حتى الآن يمكن لها أن تتكرر وتستمر لأنها اعتمدت على الحل العسكري ولم تلجأ إلى الحلول الأخرى.

والحلول الأخرى لا بد لها أن تشمل حلاً عادلاً للصراع العربي ـ الإسرائيلي والابتعاد عن التدخل المباشر في الشأن اللبناني والحوار مع جميع دول الحوار واحتواء العرب السنة في العراق من خلال إعطائهم الدور السياسي الذي يستحقونه.

ليس لدى الإدارة الأميركية الحالية إلا أن تتحاور مع الجميع بدون استثناء وتبتعد عن سياسة المحاور الإقليمية بين الدول وسياسة المحاور بين أطراف الشعب الواحد في الوطن الواحد لأن البديل عن ذلك هو استمرار العنف وتدهور للأوضاع وتهديد كبير لاستقرار المنطقة بأسرها بما في ذلك المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. لا بد للدولة العظمى أن تلعب دورا سياسيا حقيقيا وليس دورا عسكريا فاشلا حتى لا تقود العراق المحتضر والمنطقة بأسرها إلى كارثة حقيقية لن يستطيع أحد التعامل معها.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com