نشرت (الراية) القطرية 13/2/2007 أن ندوة قانونية هي الأولى من نوعها حول مجلس الشورى القطري والمجلس البلدي بقطر، شهدت جدلاً ساخناً أفضى إلى (إجماع) على رفض نظام (الكوتا) للمرأة سواء في مجلس الشورى القادم، أو المجلس البلدي القائم، وتأتي هذه الندوة في سياق الاستعدادات الجارية للانتخابات البرلمانية المقبلة بقطر، وهي أول انتخابات برلمانية عامة مفتوحة للجنسين تصويتاً وترشيحاً، يرتقبها المجتمع القطري.
مسألة (إجماع) الحضور على رفض (الكوتا) وهم رجال قانون وتشريع وأعضاء في المجلس البلدي، تثير الكثير من علامات الاستفهام الحائرة حول أسباب رفض هؤلاء!! أنا أفهم أن تثير (الكوتا) جدلاً واختلافاً بين المؤيدين والمعارضين كما هو حاصل في كل القضايا السياسية، لكن أن يجمع هؤلاء على الرفض فهذا مؤشر سلبي لا يطمئن تجاه تمكين المرأة القطرية من أن يكون لها دور فاعل ولا يبعث على الأمل في إمكانية نجاح أية امرأة سواء في انتخابات المجلس البلدي أو مجلس الشورى.
وفي الحقيقة ان هذا الرفض الجماعي غير مبرر لا قانوناً ولا منطقاً ولا مصلحة ولا حتى دستوراً وذلك للاعتبارات الآتية:
أولاً: أن الدساتير العربية ومنها (الدستور القطري) وهو الأحدث، لم تكتف في سبيل إنصاف المرأة بتقرير مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين الجنسين لأن المساواة القانونية (التزام سلبي) .
وإنما عمدت إلى إلزام الدولة نفسها بالتدخل من أجل تطبيق مبدأ (تكافؤ الفرص) بين الجنسين، المادة 19 من الدستور القطري ما معنى تدخل الدولة لتحقيق تكافؤ الفرص؟ معناه أن الدولة ملتزمة بالتدخل لتصحيح أوجه الخلل الاجتماعي التي حصلت لأسباب تاريخية وثقافية واجتماعية واقتصادية وهمشت دور المرأة المجتمعي. إن المساواة إنما تكون بين المتماثلين ولكن الواقع الاجتماعي يشهد بأن لا مساواة حقيقية أو فعلية بين الجنسين على أرض الواقع.
ولذلك من واجب الدولة أن تتدخل بحزمة من التشريعات والسياسات لتغيير هذا الواقع الذي لا تتحقق فيه المساواة ويختل فيه التكافؤ بهدف تمكين المرأة من تحقيق تكافؤ في النتائج. المرأة، تاريخياً، وفي كل قضاياها، بدءاً من حقها في التعليم مروراً بالعمل وانتهاء بالحق السياسي كانت بحاجة مستمرة لدعم السلطة لأن الثقافة المجتمعية كانت في رفض مستمر لكل حقوق المرأة، ولو لم تتدخل السلطة لما حققت المرأة العربية أية مكتسبات.
ولظلت المعوقات العملية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ضد حقوق المرأة، وخير دعم تقدمه السلطة للمرأة في الخليج هو الأخذ بنظام (الكوتا) أو الجمع بين نظامي الانتخاب والتعيين. كما في تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة والذي بموجبه وصلت (9) كفاءات نسائية للمجلس الوطني الجديد، شكلن صورة مشرّفة للمرأة الإماراتية.
ثانياً: أثبتت التجربة الانتخابية العربية على امتداد نصف قرن في مختلف البلاد العربية أن المرأة لا تستطيع النجاح في الانتخابات بجهودها وحدها بسبب طبيعة الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة، فعلى سبيل المثال:
رغم أن (مصر) كانت أول دولة عربية تمنح المرأة حقها السياسي إلا أنه بعد أكثر من نصف قرن لا تزال نسبة تمثيلها في مجلس الشعب (5 ,2%) مع ملاحظة أن العالم العربي يعاني من أقل نسبة تمثيل برلماني للمرأة في العالم كله (4 ,6%) ومعنى ذلك أن انتظار نضج المجتمع ليقدر الكفاءة بغض النظر عن صاحبها رجلاً أو امرأة مراهنة عقيمة. فإذا كانت جهود نصف قرن في التوعية والتنوير لم تفلح في تغيير النظرة المجتمعية للمرأة فإن معنى ذلك استمرار حرمان المرأة من المساهمة في التشريعات وفي صنع القرار.
ثالثاً: إن تدخل الدولة لتمكين المرأة من تحقيق تكافؤ في النتائج عبر نظام (الكوتا) اتجاه متصاعد في كثير من الدول بلغت (81) دولة متقدمة ونامية، بل هو إجراء ممارس في أعرق الديمقراطيات كالسويد التي خصصت (46%) لنسائها والدنمارك (38%) وفنلندا (37%) بينما خصصت (رواندا) 49% .
وهي أعلى نسبة، علماً أن النسبة المطلوبة دولياً هي (30%)، ويقول د. عبدالله المدني إن (الكوتا) تجد قبولاً عالمياً وبخاصة في آسيا التي منحت غالبية برلماناتها، حصصاً للنساء عبر مختلف الوسائل والإجراءات إما عبر نص دستوري (الكوتا الدستورية) أو تشريعات انتخابية (الكوتا القانونية) أو نظام الحصة الحزبية أو الكوتا القانونية في المجالس المحلية كما أن هناك (3) مستويات للكوتا: كوتا داخل الأحزاب، كوتا بين المرشحين رسمياً، كوتا بتخصيص مقاعد.
رابعاً: (الكوتا) هي الترجمة العملية لما يسمى بـ (التمييز الإيجابي) لمعالجة أوضاع وحالات لا تجد الفرص المتكافئة التي تحقق العدالة والمساواة، ويعد (تمييزاً محموداً) تقره تشريعات حقوق الإنسان ومنها (اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة) والتي تنص على أن (اتخاذ تدابير خاصة مؤقتة بهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة لا يعد تمييزاً بالمعنى السلبي).
خامساً: من يقول ان على المرأة أن تثبت جدارتها وأحقيتها، إما أنه يتجاهل واقع مجتمعاتنا المحكومة بالعادات والتقاليد، أو يريد استغفالنا لاستدامة الأوضاع المتحيزة وتكريسها ضد المرأة ومن ثم حرمان المرأة من المشاركة الفعلية في التشريعات والقضايا السياسية، إذ كيف تستطيع المرأة إثبات كفاءتها في مجتمع مناهض لها؟!
سادساً: نحن إذن بحاجة لانتهاج سلسلة من السياسات العملية الجديدة، تؤدي إلى دفع المرأة التي لحقها الإجحاف والغبن والتهميش عبر قرون وتمكينها من أن تنطلق من نقطة متساوية مع الآخرين. نريد من مجالسنا البرلمانية أن تكون معبرة بصدق عن المكونات الأساسية للمجتمع، نريد تمثيلاً عادلاً للمرأة الخليجية في برلمانات بلادها.
نريد تقدماً في قضايا الأسرة والمجتمع ومعالجة أفضل للقضايا الاجتماعية، نريد مشاركة نسائية فاعلة، وكل ذلك لن يتم إلا بالأخذ بنظام الكوتا.
سابعاً: إن نظام (الكوتا) يؤدي إلى زيادة المشاركة السياسية للمرأة وإلى زيادة ممارستها لحقوق المواطنة كتعبير سياسي ومدني عن المساواة في الحقوق والواجبات كما يؤدي إلى خلق تجمع نسائي في البرلمان يخفف من الضغوط المجتمعية على المرشحات المنفردات، ولا يمكن اعتبار (الكوتا) تمييزاً ضد الرجال، بل تعويضاً للمرأة عن التمييز الذي تعانيه بالفعل وبخاصة في المجال السياسي.وهو يشكل مسعى لتحقيق المساواة الفعلية، وإجراء يهدف لتحويل تكافؤ الفرص من مبدأ إلى واقع.
كاتب قطري