دار الزمن دورته. والآن وبعد نحو ربع قرن لا يبدو أن بعض الأنظمة العربية استوعبت تجربة التورط في المغامرات الأميركية. فبعد نحو ربع قرن تتجاوب هذه الأنظمة مع دعوة أميركية مماثلة بهدف عزل إيران وربما شن حرب عليها.

في سبتمبر 1980 فاجأ نظام صدام حسين العالم بهجوم جوي وبري كاسح على إيران كان تدشيناً لحرب تواصلت على مدى ثماني سنوات. وكما تبين لاحقاً فإن مما شجع الرئيس العراقي على شن الهجوم وعد أميركي بدعم العراق عسكرياً.

كانت الولايات المتحدة ترمي إلى الإطاحة بالنظام في إيران الذي لم يكن قد مضى على تسلمه السلطة سوى عام ونصف العام. ولهذه الغاية أوعزت إدارة الرئيس رونالد ريجان إلى بعض القادة العرب بالاصطفاف وراء صدام باعتبار أنه «حامي البوابة الشرقية للوطن العربي»، فقد عمدت إدارة ريجان إلى تصوير الوضع إعلامياً وكأنه حرب عرقية بين العرب والفرس.

وكان التجاوب مع الدعوة الأميركية فقد توحدت بعض الدول العربية وراء نظام صدام رغم أنه كان الطرف المعتدي الذي ابتدر هجوماً غير مبرر إطلاقاً.هذا الدعم العربي الذي صاحبه ترويج لصدام وكأنه بطل القومية العربية هو الذي أغرى الرئيس العراقي باحتلال الكويت، وهنا دعت الولايات المتحدة تحت إدارة جورج بوش الأب الحكام العرب إلى اصطفاف من نوع آخر: ضد نظام صدام وليس معه، وكان الهدف الأميركي الأبعد من وراء تحرير الكويت هو تدمير العراق بهدف حذفه من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.

اتضح الهدف الأميركي على المدى المتوسط من خلال إصرار الولايات المتحدة على إطالة أمد العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على العراق.. وعلى المدى الطويل من خلال الغزو الأميركي للعراق واحتلاله عام 2003.

وعلى الرغم من أنه كانت هناك قوى دولية ـ فرنسا وروسيا والصين ـ تسعى لوضع نهاية لهذه العقوبات حتى يستطيع العراق استرداد عافيته، فإن بعض الأنظمة دأبت على تخذيل هذه القوى الدولية. ودعمت على طول الخط الإصرار الأميركي على استمرار العقوبات التي ارتدت بالشعب العراقي إلى العصر الحجري.

وبعد ذلك انطلقت من واشنطن في عهد جورج بوش الابن أسطورة «أسلحة الدمار الشامل» لتستخدم كتبرير لشن غزو أميركي شامل على العراق.مرة أخرى ووجهت الولايات المتحدة بمعارضة قوية من القوى الدولية الثلاث المشار إليها.وبفضل هذه المعارضة فشلت الولايات المتحدة في محاولاتها لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يجيز لأميركا شن حرب على العراق.

واصطفت بعض الأنظمة مرة أخرى وراء الولايات المتحدة. ولو ساندت موقف المعارضة الدولية لما أقدم بوش على شن الحرب.وكما نعلم فإنه ثبت لاحقاً أن الاتهام الأميركي للعراق بامتلاك أسلحة دمار شامل لم يكن سوى كذبة ملفقة. لكن رغم أن الرئيس الأميركي نفسه أقر بهذه الكذبة إلا أن بعض الأنظمة لاتزال تتخذ موقفاً مؤيداً للاحتلال الأميركي للعراق، علماً بأن هذا الاحتلال أفرز فتنة مذهبية بين السنة والشيعة أصبح العالم العربي الأشد تعرضاً لتداعياتها الخطيرة.