انتهى وقت التعلق بالأوهام في وعود أميركا بصياغة حلول سلام وإطفاء حرائق الحروب حين أصبحت هي من يشعلها بهدف فرض الديمقراطيات وتحرير الشعوب، بينما سيرتها في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها تسجل أكبر تجاوزات للقوانين والحقوق البشرية.

بدون مقدمات أو استهلال لمواضيع لا تتفق مع الواقع، فوزيرة الخارجية الأميركية رايس تزور المنطقة، وقد اعتدنا على هذه الرحلات مع وزراء خارجية سابقين، عرضوا كل ما في جعبة الدولة العظمى من رسائل تهديد وتطمين، وإشعال حروب وتحالفات، وظل محور الأزمات والصدامات القضية الفلسطينية، ولعل رؤساء أمريكا السابقين، كانوا، على الأقل، يتواصلون مع العالم بواقعية أكثر، ومع قضايا المنطقة بدبلوماسية أقرب للعب على العواطف، بدلاً من الفعل الناجز، غير أن الرئيس بوش وقع في محظورات المنطقة، وأصبح داخل التفاعلات الحادة، والتي حولته إلى خصم حاد مع الديمقراطيين الذين صاروا أكثر تحرراً في اتخاذ قراراتهم وإعلان أصواتهم حتى في ما يمس الأمن القومي الأميركي، والعلاقات مع الدول العالمية بمختلف موازينها ومؤثراتها.

فإذا كان هناك من حكم على الرئيس بوش بنجاحاته، وإخفاقاته، فربما اتفاقه مع كوريا الشمالية الأخير يعطيه بعض الدفع باتجاه تحسين صورته، لكن التشابك الأكثر حدة يبقى في المنطقة وخاصة على جبهات العراق، وفلسطين، ولبنان، ودون إدراك أن تصل القناعة للبيت الأبيض أن موفدته وزيرة الخارجية لا تحمل جديداً حول فلسطين وعلاقاتها مع إسرائيل، فإن بقية الأحداث ستسير بنفس الاتجاه، أي تبقى جزراً بدون مد، ومثل هذه الصعوبات لا تنعكس سلبياتها على دول المنطقة وحدها، وإنما على الدولة التي وضعت نفسها في بؤرة هذه الأحداث، وعجزت عن أن تحل ألغازها أو تجعلها قابلة للتغيير نحو الاتجاهات السلمية.

هناك محاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وأي رفض للتعامل معها بواقعية وبدون شروط تعجيزية مسبقة تخطط لها إسرائيل وتتبنى النطق بها أميركا، فإن الرحلة ستكون إعادة لرحلات سابقة، كان من المفترض توفير مصروفاتها، لأنه لا فرار من حقيقة وجود صراع طويل في المنطقة، وطالما أميركا وحدها من تعهد بحلوله، فإن أمام بوش فرصة وحيدة أن يضيف بنداً في نجاحاته إلى وضع الثقل الأميركي في حل هذه القضية، وإلا فإن مبررات غزو العراق حيث جاء لحماية الأمن الأميركي وتعزيز دور الديمقراطيات، وربط العرب بالعالم المتقدم، لا تعدو وصايا أقرب الى القفز على الواقع، لأن الإقرار بالحقائق وعدم تجاوزها ووضعها في سياق مخاطرها، ربما يجعل من أميركا الدولة الفاعلة، وإلا فإن رايس لن تكون شخصية مهمة طالما تدور في حلقة الفراغ وتبتعد عن الجوهري للهامشي، وكما نكرر فإن فرصة بوش في حل النزاع العربي - الإسرائيلي، ربما تكون السطور الذهبية في سجله الرمادي.