سياسة الرئيس بوش العراقية نالت من الانتقادات والاعتراضات ما لم تنله أية سياسة خارجية لرئيس أميركي سابق، منذ فيتنام، حلفاء واشنطن اتخذوا هذا الموقف من البداية؛ ما عدا بريطانيا بلير، ثم انضم معظم الإعلام الأميركي،تدريجياً إلى جوقة المتأففين من حرب العراق. وهكذا كان الرأي العام الأميركي، الذي أعرب عن امتعاضه في هذا الخصوص، من خلال تصويته ضد حزب الرئيس الجمهوري؛ في انتخابات الكونغرس الأخيرة وحرمه من الأكثرية في مجلسي الشيوخ والنواب.

حتى ذلك الحين، كانت تلك الأكثرية الضامن الوحيد لعدم انضمام الكونغرس إلى قافلة المعارضة الداخلية لموضوع الحرب وورطتها، يوم الجمعة الفائت انتهى مفعول هذا الضمان، وفي أحسن الأحوال، بدأ يتلاشى، مجلس النواب صدر عنه قرار بأكثرية وازنة؛ ضد خطة الرئيس بوش بزيادة عدد القوات الأميركية في العراق بأكثر من 21 ألف جندي، القرار ليس له مفعول، إلزامي.

هو فقط بمثابة تأنيب لمثل هذه السياسة، مع ذلك كان صداه ووقعه وكأنه أكثر من ملزم، ذلك أنه التصويت الأول في أحد مجلسي الكونغرس، بشأن العراق، منذ عام 2002؛ عندما فوض الكونغرس آنذاك الرئيس بوش باستخدام القوة، ضد بغداد، كما هو من المرات النادرة في التاريخ الأميركي، التي تبادر فيها مؤسسة بهذا الحجم إلى توجيه ما يشبه «التوبيخ» إلى سيد البيت الأبيض؛ في زمن الحرب.

عادة في مثل هكذا ظرف، يمتنع الكونغرس عن اللجوء إلى التصويت ضد سياسة الرئيس، حتى لا يشكل ذلك رسالة تخدم مصالح الخصم، لكن ليس هذه المرة ، فالتصويت أخذ زخماً خاصاً، بعد أن شارك فيه عدد من نواب حزب الرئيس، وفي ذلك إشارة واضحة إلى هذا الأخير بأن الكيل طفح داخلياً من تعامله مع الملف العراقي، بل هو أكثر من ذلك، فهو زيادة في تعرية هذه السياسة.

كما في عزل البيت الأبيض وتقييد يدي الرئيس، أيضاً هو يؤشر إلى أن الجدل، حول هذا الموضوع، الذي بات الشغل الشاغل للساحة الأميركية، مرشح للمزيد من السخونة؛ في ضوء اعتزام الرئيس المضي في عدم التزحزح عن مقاربته لهذه الحرب والتي تنهض أساساً على إعطاء الأولوية للحل الأمني، للأزمة العراقية؛ كما في ضوء إصرار الأكثرية الديمقراطية في الكونغرس على مواصلة مطاردة هذه السياسة وحتى إرغام الإدارة على التراجع والبدء في مغادرة المسرح العراقي عسكرياً. وكان من الملفت أثناء النقاشات الأخيرة في مجلس النواب، كما في الردود التي أثارتها، أن في الكونغرس مخاوف من احتمال أن تؤدي السياسة المعمول بها إلى وقوع انفجارات واسعة أخرى في المنطقة.

في أية حال كان التصويت الأخير، جرس إنذار، لإدارة الرئيس بوش. صحيح أن القرارات العسكرية أو المتعلقة بالسياسة الخارجية تعود للرئيس الأميركي وليس للكونغرس، هذا الأخير لا يقوى على التأثير فيها إلا من الناحية المالية؛ إذا قرر وقف تمويل العمليات العسكرية التي يقرر البيت الأبيض القيام بها.

بيد أنه لم يسبق للكونغرس أن لجأ إلى هذه الصلاحية، عندما تكون القوات فوق مسرح العمليات، وليس من المتوقع أن يلجأ إليها الآن. مع ذلك يشكل هذا القرار لطمة شديدة لسياسة بوش العراقية؛ التي باتت بلا سند أميركي يمكن أن يتكئ عليه الرئيس لمواصلة الحرب. لكنها لطمة لا يبدو أنها كافية لتسريع الانسحاب ما لم يسارع العراقيون إلى ترتيب شؤون بيتهم الداخلي، لعلَّ تصويت مجلس النواب الأميركي يحفزهم على ذلك.