لا يخفى علي أي منا أن الهوية العربية الإماراتية تواجه تحدياً كبيراً في ظل تعدد الجنسيات والثقافات الموجودة في المجتمع، وقد طالب تربويون وأولياء أمور بإلزام المدارس الخاصة ومدارس الجاليات تحديداً بتدريسها. ومع إيماننا بأهمية استيعاب الجاليات التي تعيش بيننا للهوية المحلية وفهمها واحترامها والتواصل مع أبنائها، إلا أننا حريصون في الوقت نفسه على أن يفهم أبناء الإمارات أنفسهم وقبل الغير ملامح هويتهم، ليستطيعوا الحفاظ عليها والتمسك بها أمام هذا الكم الهائل من الجنسيات والثقافات، وبالتالي ليتمكنوا من إثبات هويتهم على أرض الواقع الذي يشهد تراجعاً لهذه الهوية.
إن ما يقلقنا كأولياء أمور أكثر من أي أحد آخر هو أن نظامنا التعليمي لا يركز على الهوية المحلية بالشكل الذي يعزز وجودها، وبالشكل الذي يجعل أبناءنا أكثر التصاقاً بها وفخراً بالانتماء إليها، الأمر الذي جعل هؤلاء الأبناء في حالة من عدم الاستقرار من هويتهم والهويات الأخرى التي يتعايشون معها، إن لم تكن هذه الهويات الأخرى هي المسيطرة بشكل أكبر، و سلب أبنائنا هويتهم الحقيقية وسط الهويات والثقافات الأخرى، وهو أمر ينذر بتداعيات سلبية على هوية هذا الوطن إن أسلمناها دون اهتمام ورعاية تؤصلها في الأبناء.
قد يقول قائل إن النظام التعليمي والمناهج الدراسية التي تقرها وزارة التربية والتعليم بما فيها منهج التربية الوطنية كفيلة بتعزيز هذه الهوية لدى الأبناء، لكن من ملاحظاتنا على بعض مناهج التربية الوطنية لاسيما في الصفوف الابتدائية الأولى، نجد أنها حقيقة لا تقوم بالدور المطلوب منها.
وأصبحت هذه المادة التي يدرسها أبناؤنا مادة ثانوية تقع ضمن آخر اهتمامات الطالب لعدة أسباب، منها جمود المادة التي تدرس للطلاب وغياب الأنشطة المصاحبة لها بالإضافة إلى أن محتويات هذه المادة ليست بالقوة التي يمكن الركون إليها لتعزيز الهوية الوطنية لدى الأبناء، ولو كانت هذه المادة تلبي طموحاتنا وتطلعاتنا كأولياء أمور و تربويين لاقترحنا ترجمتها وتعميمها على المدارس الخاصة التي لا تلتزم بمنهاج وزارة التربية والتعليم، لكننا في الحقيقة نشعر بضعف هذه المادة عن تعزيز هويتنا الوطنية لدى ابنائنا المواطنين، الأمر الذي يترتب عليه ضعفاً متوقعاً في حال تم تدريسها للأجانب وأبناء الجاليات.
نحن لا نقلل من جهود واضعي هذه المناهج واجتهاداتهم لكننا نأمل لو تتم مراجعة مناهج »التربية الوطنية« وطرق تدريسها وأنشطتها لنحكم على فعاليتها ومدى الاستفادة التي تحققت بعد تدريسها.. وهذه المراجعة ضرورية إن كنا حريصين فعلاً على أن تحقق نتائج إيجابية.
لنأخذ على سبيل المثال منهج التربية الوطنية للصف الثاني الابتدائي، فالمنهج بالنسبة لطفل لا يتجاوز عمره الثماني سنوات صعب للغاية، ويعتمد على حفظ المعلومات وتلقينها دون أن يشعر الطالب بأهمية محتويات المادة التي يفترض أنها تعزز الهوية المحلية، طالب الصف الثاني الابتدائي مكلف بأن يعرف الفرق بين الجزيرة وشبه الجزيرة، بين البحيرة والسهل وما إلى ذلك دون أن يشاهد ذلك في واقعه، ودون أن يعرف أهمية ذلك، طالب الصف الثاني الابتدائي مطالب بمعرفة الجزر المحتلة وأسمائها دون أن يعرف ويفهم مصطلح »الاحتلال« الذي لا ينبغي أن يعرفه في هذه السن المبكرة.
طالب الصف الثاني لابد أن يفرق بين شرطي المرور وشرطي النجدة ـــ وشرطي الأمن، دون أن يدرك الأهمية التي تكمن وراء تدريس هذا الطفل هذا الكم من التفاصيل، طالب الصف الثاني لابد أيضاً من أن يحفظ كل هذه المعلومات ويجيب عنها، سواء فهمها أو لم يفهمها ليقيم في ضوئها ويمنح درجة عليها.. عندما تناقش مدرس المادة تجده غالباً متورطاً في هذه المادة ولا يعرف كيف يتعامل معها، وكيف يعزز »الوطنية« من خلالها لدى طلابه.
إحدى الأمهات تقول إن مادة التربية الوطنية هي المادة الأسوأ بالنسبة لابنتها، حاولت البحث عن الأسباب فوجدت أن طبيعة محتوى المادة هي السبب الأول الذي نفر الطفلة منها. طفلة الثماني سنوات التي تتساءل: لماذا ندرس: »التربية الوطنية« ولا تجد من يجيب لها على تساؤلها.
خلاصة القول هي إننا نطالب بتعزيز الهوية الوطنية لدى الأبناء من خلال مناهج التربية الوطنية التي تحتاج إلى مراجعة، ومن خلال منظمات ومؤسسات تقدم أنشطة تعزيز هذه الهوية لدى أبنائنا المواطنين وغيرهم من الجاليات. فالهوية المحلية أصبحت غائبة وسط مشاكلنا اليومية ولا نكاد نشعر بها إلا في احتفالات العيد الوطني التي لم تعد أيضاً كما كانت عليه في السابق.