نحى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لغة الدبلوماسية جانبا، وعاد إلى «لغة الجاسوس القديم الفظة» بتعبير وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، وسمى الأشياء بأسمائها الحقيقية حينما، وجه هجوما لاذعا إلى محاولات الولايات المتحدة التفرد بالعالم وإملاء رؤيتها الأحادية ومصالحها على الجميع ،من دون وضع في الاعتبار مصالح الآخرين، وهو الانتقاد ذاته الذي صدر من أصوات أوروبية وان كانت اقل حدة لكنها لم تسلم من لسان وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد الذي نعت أوروبا بالقارة القديمة.
اليوم يتحدث وزير الدفاع الأميركي الجديد وهو جاسوس سابق أيضا، كان مديرا لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي أي ايه) بذات اللغة التي تعتبر الهجوم على الخصم خير وسيلة للدفاع ،مطالبا بوتين بتجنب لغة الجواسيس الفظة التي لا تعرف المواربة، قائلا ان «حربا باردة واحدة تكفي».
نعم لم يعد العالم في احتياج إلى العودة لتلك الحرب التي دارت رحاها لسنوات بين المعسكرين : الاشتراكي والرأسمالي وانتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ، لكن للأسف الشديد ان هذه الحرب انتهت لتشعل الولايات المتحدة حروبا جديدة ،لكنها ساخنة هذه المرة، تستنزف من قدرات وطاقة العالم ، اذا استمرت على هذا النحو الملتهب ، ما يفوق ما التهمته الحرب الباردة .
الولايات المتحدة وفي ظل إدارتها الجمهورية الحالية ،التي يتحكم في قراراتها عدد محدود من المحافظين الجدد ، الذين تسيطر على عقولهم وأفكارهم الرغبة في الهيمنة على مقدرات الكرة الأرضية، وتحقيق أحلام إمبراطورية فات زمانها، ولم يعد أوانها، لا تريد أذانها سماع أي نقد أو نصيحة.
وهي بالتالي تتحسس أي صوت يكشف عوراتها، أو يعري سوءاتها، وبالتالي فان كلمات بوتين الصريحة والواضحة اعتبرت «فظة» وصادرة عن «جاسوس قديم» لا يعر للدبلوماسية وزنا ،وليس غريبا ان يعبر البيت الأبيض عن « خيبة أمله» منها.الغرور والغطرسة لا تعطي صاحبها عادة أي فرصة للانتباه إلى أخطائه، ولا تمكنه من الالتفات إلى انتقادات الآخرين الصادقة، التي ربما تجنبه ورود المهالك، وهو ما تفعله الولايات المتحدة حاليا.
فمنذ اعتداء 11 من سبتمبر 2001 ، والإدارة الأميركية اشبه بالثور الهائج الذي يطيح يمينا وشمالا غير عابئ بالنتائج ، تحركه الرغبة في الانتقام،تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، مطالبة دول العالم بالاصطفاف خلفها، من دون أي تفكير او استشارة ، رافعة شعار من« ليس معي فهو ضدي» ذهبت إلى أفغانستان، لتعقب القاعدة وحركة طالبان.
وأوجد لها البعض العذر، فجرح 11 سبتمبر لا بد وان يجد تصريفا لآلامه، ثم غزت العراق تحت ذريعة البحث عن أسلحة الدمار التي ثبت كذبها ،وعندما حاولت بعض الأطراف الأوروبية فرملة العجلة الأميركية التي تجر العالم إلى أتون صراع مفتوح قد يمتد لسنوات، هاجت الإدارة الأميركية وماجت ورفضت منع وضع جنودها أقدامهم فوق ارض الرافدين، وها هي النتيجة ، اعتراف بالوقوع في المستنقع ، واستجداء للحصول على فرصة أخيرة علها تعيد ماء الوجه المراق في شوارع بغداد وباقي المدن العراقية.
تجاهلت واشنطن المعارضة القوية في مجلس الأمن ، ورفض الأمم المتحدة منح الإدارة الأميركية تفويضا بغزو العراق، وذهبت إلى هناك مدعومة من بعض الحلفاء الذين تساقطت أوراقهم في انتخابات بلادهم بعد ذلك كما تسقط أوراق الخريف ، ولم يعد باقيا سوى الحكومات المهددة بترك مقاعدها عند اقرب انتخابات نيابية كما هو الحال مع الحليف البريطاني توني بلير، وها هي تعيد الكرة بالتصعيد مع إيران والتهديد بغمار حرب جديدة.
وبدلا من ان تشعر واشنطن بخيبة أمل من كلمات بوتين، عليها أن تحكم صوت العقل ولو لمرة واحدة ، بعيدا عن الاستعلاء والكبرياء، وان تنظر إلى العالم بعيون جديدة تسقط عنها العدسات قصيرة النظر، وألا تتعامل بحساسية زائدة مع النقد، وهي من يرفع لواء الديمقراطية والرأي الأخر، فربما تكون كلمات بوتين الفظة دقا لناقوس قد ينقذها من الوقوع في الخطر الذي يصعب تجنبه بعد فوات الأوان.