تتصاعد التحذيرات من الفتنة الطائفية الآن بدءاً من العراق مروراً بلبنان ودول الخليج. وباتت المخاوف من الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة تتصدر الأولويات في الوقت الراهن. وإذا كانت هذه التحذيرات هي إحدى نتائج الوضع في العراق بامتياز، فإنها لا تعبر في سياقها التاريخي الا عن ذروة مرحلة طويلة بدأت قبل أكثر من عقدين وأطلق عليها «الصحوة الإسلامية».
ان الانبعاث القوي للتيارات الإسلامية في بداية عقد الثمانينات، كان هو أيضا ثمرة جهد طويل سبق ذلك العقد ولم يكن انتصار الثورة في إيران عام 1979 وانطلاق الجهاد الأفغاني في العام نفسه سوى تتويج لمرحلة طويلة من الإرهاصات لمسار بلغ ذروته في الوقت الحاضر.
أي أفق تقترحه التيارات الإسلامية؟ لقد خاضت هذه التيارات في بلدان عدة مسارا طويلا من الصراع السياسي لا لإثبات نفسها بل للدخول في مسار جديد مغاير عن السياق الذي كانت تسير فيه البلدان العربية. تبدأ الفكرة من المفاهيم أساسا والمبادئ.
الدولة القومية التي تأسست في البلدان العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت تملك مسارا محددا للصراع السياسي فيها يتأسس على مفاهيم الدولة القومية كتلك التي نشأت في أوروبا. أحزاب وأيديولوجيات عالمية وأخرى محلية لكنها تنشط وتتصارع ضمن مفاهيم واحدة وفي مسار محدد ضمن إطار الدولة وضمن مفهوم جامع: «المواطنة».
على هذا كان الصراع في معظم البلدان العربية صراعا سياسيا يدور بين أحزاب سياسية تملك برامج سياسية وكان البعد الطائفي في تكوين الأحزاب خافيا الى حد كبير وليس عنصرا حاسما في تكوين الأحزاب او برامجها او حركتها.
ورغم الإخفاقات المريعة للأنظمة الحاكمة وأنظمة العسكر التي حكمت في غير بلد عربي، الا ان مسار الصراع السياسي في كل بلد عربي ظل هو نفسه صراعا سياسيا بين أحزاب سياسية.
لكنّ ثمة استدراكا مهما هنا، فالحياة السياسية في الدول العربية لم تكن قائمة على مبادئ التعددية السياسية او تداول السلطة او الاحتكام لصناديق الاقتراع. وان وجدت بعض هذه المظاهر فهي ستبقى شكلية الى أقصى الحدود لأن النخب الحاكمة العسكرية وغيرها كانت استبدادية بالدرجة الأولى. انعكس هذا بالمقابل على الأحزاب نفسها، فالأحزاب العربية لم تكن أحزابا ديمقراطية بل أحزابا ايديولوجية وتحركها نزعات انقلابية.
ضمن هذا الفهم، يمكن الإقرار بحقيقة أساسية فيما خص التيارات الإسلامية هي انها ثمرة هذه الأوضاع التي حكمت البلدان العربية منذ أربعينات القرن العشرين الماضي على الأقل. انها ثمرة اضطهاد وقمع أيضا نالها ونال التيارات الأخرى أيضا وخصوصا تيارات اليسار. ويسجل التاريخ هنا ان بعض النخب الحاكمة استخدمت الإسلاميين لضرب اليسار في لعبة مازالت قائمة حتى اليوم.
واذا كان انبعاث التيارات الإسلامية أيضا ثمرة إخفاقات الأنظمة الحاكمة والأنظمة العسكرية القومية التي حكمت في غير بلد عربي، فإن هذا يطرح ان صعود الإسلاميين على أكثر من مستوى سيجعلهم في اختبار تاريخي أيضا مثل الآخرين. ثمة بدايات يمكن الرجوع اليها في هذا الاختبار وتحديدا في ذلك المنعطف التاريخي الذي شكله العام 1979 مع انتصار الثورة في إيران وانطلاق الجهاد الأفغاني.
ان ذلك يمثل مسارا متساوقا لطرفي الصحوة الإسلامية بشقيها الشيعي والسني والثمار أكثر من واضحة الآن بعد أكثر من عقدين.
ان استقراء تجربة امتدت أكثر من عقدين سيطرح تفاصيل لا حصر لها ومحطات يمكن فيها امتحان التيارات الإسلامية وسجلها وحركتها والآفاق التي تقترحها حركتها هذه، لكن العراق اليوم يمثل ذروة عقدين من الصعود للتيارات الإسلامية.
ان الفتنة التي تتصاعد حيالها التحذيرات جاءت بعد فشل مريع للتيارات الإسلامية في اختبار تاريخي امتد أكثر من عقدين، فالاحتراب الأهلي رسخ مفاهيمه بعمق وليس التحذير سوى من اندلاعه بشكل شامل، وهذه قمة الفشل في هذا الاختبار لان التيارات الإسلامية بشقيها الشيعي والسني لم تفعل سوى ان ضربت المفهوم الأساس الذي تنهض عليه الدولة: «المواطنة».
على هذا النحو، تم اختزال العراق بكل تنوعه الديني والعرقي الى صراع بين السنة والشيعة. وهكذا تراجعت الوطنية الفلسطينية وتم اختزالها لحساب صراع بين حماس الإسلامية وفتح العلمانية. وعلى هذا النحو يتم اختزال الصراع السياسي في لبنان، وعلى هذا النحو تم تفسير الإصلاحات في البحرين بشكل فج باعتبار ان هناك طائفة مستفيدة وأخرى متضررة.
لا يمكن إلقاء اللوم على الخارج وعلى مؤامرات الخارج دوما، ان مؤامرات الخارج لا يمكن ان تنجح ما لم تجد أرضية لنجاحها، فهي تستفيد من واقع قائم ومن إمكانيات وعناصر حقيقية وملموسة تساعدها على النجاح.
ربما تكون المخاوف من فتنة طائفية واحتراب سني/شيعي فرصة تاريخية مناسبة لإعادة نظر شاملة لم تفعلها النخب الحاكمة في يوم، فالوصول الى هذا الوضع ليس سوى تعبير عن فشل ذريع لم يأت امس او قبل شهر او منذ احتلال العراق، بل جاء ليتوج مرحلة امتدت أكثر من عقدين لم نظفر في نهايتها سوى بمشاريع حروب طائفية ممتدة ومشرعة جاهزة للاشعال.
ابعد من هذا، ليست التيارات الإسلامية هي التي باتت بمواجهة امتحان صعب بل ان ثمار أكثر من عقدين من انبعاثها وصعودها أفضت الى ان يصبح الإسلام نفسه موضع امتحان أيضا، فهل هذا يعود الى تعاليم الإسلام ام الى من رفع لوائه طيلة العقود الماضية وحتى اليوم؟
كاتب بحريني
