تأتي جولة فلاديمير بوتين الشرق أوسطية في لحظة مهمة على الأصعدة الداخلية والدولية والإقليمية. داخلياً: عشية الانتخابات التشريعية هذا العام والرئاسية للعام المقبل يحاول بوتين من خلال حركته الدولية التأكيد على تعزيز مكانة موسكو في نظام عالمي لم يتشكل بعد وهو ما يلاقي صدى كبيراً يوظف لمصلحته في روسيا التي تعيش تصاعد حدة المشاعر القومية بعد سنوات من الشعور بمهانة التهميش الوطني مع سقوط الإمبراطورية السوفييتية.

الروس الذين عاشوا دائما التطلع الإمبراطوري سواء كان سوفييتياً أو قيصرياً. دولياً: جاء خطاب بوتين أمام مؤتمر ميونخ للسياسة الأمنية حاملا لعدة رسائل وتحذيرات حول إصرار موسكو على لعب دور يتناسب وما تعتبره وزنها المستعاد ومكانتها العائدة اليها.

دور يقوم على التعاون ضمن منطق الشراكة مع واشنطن، وتحذيرات من مخاطر وتداعيات سياسات التفرد والأحادية الأميركية وضرورة التصدي لهذه السياسات ايضا ضمن منطق الشراكة. وشرق أوسطي مع ازدياد «الطلب على موسكو» من أصدقائها التقليديين من جهة وأصدقاء واشنطن القلقين من بعض سياسات هذه الأخيرة من جهة أخرى.

واذ يريد الطرف الأول ورقة موسكو لإحداث توازن إقليمي أمام الهجمة الأميركية لمصلحته يتطلع الطرف الثاني الى موسكو للمساهمة في حلحلة العقد وتلافي الصدام المحتمل الذي يدفع ثمنه الجميع وللمساعدة في إحداث التفاهمات المطلوبة والصعبة في الوقت ذاته.

فرصة كبيرة لموسكو للعودة الى المياه الدافئة عبر الخليج المشتعل وفلسطين المأزومة ومن خلال أبعاد ثلاثة متكاملة مستفيدة بشكل خاص من الانسدادات الحاصلة في أزمات المنطقة والمرشحة على مزيد من التوتر والعنف وعلى الفشل الذريع لسياسة التفرد الأميركي في الشرق الأوسط. البعد الأول: تقديم مقاربة شاملة لقضايا المنطقة الأساسية تقوم على تعددية الأطراف دبلوماسيا وعلى شمولية التسوية من حيث المسائل القائمة والمترابطة.

تدعو موسكو الى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط على المسارات الثلاثة وعلى انخراط كافة الأطراف المعنية كبديل عن سياسة الإقصاء وتدعو ايضا الى مقاربة شاملة للخليج وتلمح الى استعدادها لأن تكون شريكا في نظام امني خليجي يوفر الطمأنة والاستقرار للجميع. صحيح ان هذه أفكار لا تمتلك موسكو القدرات لتحويلها الى سياسات لكن أصحاب السياسات «الأخرى» في المنطقة أيضا غير قادرين رغم إمكاناتهم الهائلة على إنجاح سياساتهم الأحادية والصدامية.

البعد الثاني يتعلق بالطاقة عند موسكو التي تحولت من قوة كبرى عسكرية الى قوة كبرى مصدرة للطاقة وهنا تبدو الخاصية النفطية في العلاقة التي تنحو لصياغتها موسكو مع الرياض والخاصية الغازية في العلاقة التي تتجه موسكو لصياغتها مع الدوحة شريكها القوي في «نظام الغاز العالمي» وفي حين تدعو طهران الى إنشاء اوبيك للغاز تقول موسكو انها فكرة مهمة وجديرة بالدرس ملوحة بذلك بإمكاناتها الهائلة في هذا المجال والحاملة للعديد من أوراق التأثير بالنسبة للدول المستوردة للغاز.

البعد الثالث يتعلق بتعزيز العلاقات الاقتصادية الاستثمارية والتجارية مع دول الخليج وهي سياسة تلاقي أيضا تجاوبا من هذه الدول التي أخذت تستدير شرقا نحو آسيا لتنويع علاقاتها الاقتصادية ومعها السياسية وبالتالي حماية مصالحها على الصعيد العالمي.

جملة من العناصر تدفع لإنجاح سياسة استعادة المكانة التي تقوم بها روسيا. أولا النجاح في عملية إعادة بناء الدولة وذلك بسبب الانتعاش الكبير لأسعار النفط الذي أوقف الانهيار الذي عاشته روسيا في التسعينات وسمح بإعادة تحقيق انجازات اقتصادية ذات نتائج ايجابية اجتماعيا وسياسيا اذ وصل مثلا مستوى الدخل الشهري للمواطن الى 291 أورو عام 2006 بعد ان كان في مستوى 67 اورو عام 2000 كما تحسن مستوى الخدمات وصار حوالي 60% من الروس يعتبرون انهم ينتمون الى الطبقة المتوسطة.

روسيا التي شبه بعضهم وضعها برقاص الساعة أخذت الآن تصل الى نقطة التوازن بعد ان انتقلت من أقصى درجات سيطرة الدولة على المجتمع في العهد السوفييتي الى أقصى درجات اختفاء الدولة وانتشار الفوضى في عهد يلتسن لتبدأ عملية الاستقرار حاليا ولتبدأ عملية إعادة تصويب المسار استراتيجيا على الصعيد الاقتصادي من خلال قيام سياسة صناعية ودور تدخلي للدولة من جديد يلاقي اعتراضات عديدة لكنه لا يريد ان يبقى الاقتصاد الوطني تحت رحمة تقلبات أسعار النفط.فإعادة بناء القاعدة السياسية الاقتصادية في الداخل ورقة أساسية للانطلاق في دور خارجي ناشط وفعال.

ثانيا، انتهاج ناجح لدبلوماسية النفط يقوم بها «قيصر الطاقة» كما يوصف بوتين وذلك في العلاقات مع الجيران دول المجال السوفييتي السابق وآسيا الوسطى وفي العلاقات مع أوروبا محاولا استعمال سياسة العصا الغليظة حينا والتلويح بالجزرة احيانا خدمة للمصالح السياسية الروسية.

ثالثا الاهتمام ببناء علاقات استراتيجية مميزة مع كل من ألمانيا وفرنسا تهدف الى خلق شراكة استراتيجية لروسيا في أوروبا تخدم مصالحها على صعيد علاقاتها الأطلسية بشكل خاص والعالمية بشكل عام . رابعا، العمل على التصدي لسياسات واشنطن التي أوصلت الحلف الأطلسي الى الحدود الأوروبية لروسيا وهو ما تعتبره موسكو خطرا فاضحا على مصالحها الأمنية عندما انتهجت واشنطن سياسة الدفع لتوسيع الحلف الأطلسي شرقا من خلال ضم جمهوريات سابقة اليه.

الرد الروسي كان من خلال العمل على تعزيز دور رابطة الدول المستقلة وأيضا النجاح في تأخير انضمام أوكرانيا الى الحلف الأطلسي والتحرك الناشط نحو بكين ونيودلهي لإقامة شراكات استراتيجية في آسيا ردا على التمدد الأميركي الأطلسي في أوروبا.

خامسا، التأكيد في الخطاب الروسي على ضرورة بناء عالم متعدد الأقطاب يكون أكثر ديمقراطية في العلاقات بين أطرافه وأكثر قدرة على تسوية أزماته الدولية والإقليمية من خلال مقاربة تقوم على تعددية الأطراف وليس على محاولات التفرد ويلاقي ذلك صدى ايجابيا في الصين، القوة العالمية الصاعدة، وعند القوى الأوروبية والإقليمية والدولية الأساسية.

ليس من الدقيق القول ان هنالك نظام حرب باردة جديداً في طريقه الى الاستقرار بين موسكو وواشنطن باعتبار ان نظاما من هذا النوع يستدعي وجود انقسام عقائدي واستراتيجي حاد وواضح المعالم والحدود على الصعيد العالمي، وهي معطيات غير متوفرة مع انتفاء الصراع العقائدي وعدم تبلور مواجهة استراتيجية عالمية شبه متوازنة وتقوم على كتل منتظمة في تلك المواجهة.

لكن بعض السلوكيات الدولية ولغة الحرب الباردة والمواجهات المباشرة وغير المباشرة آخذة في التصاعد والتطور عند قوى مختلفة دون ان تدرك آفاقها المستقبلية بعد طالما انه لم يتبلور حتى الآن نظام عالمي جديد ذات قواعد ومنظومة قيم مستقرة وواضحة ومتعارف عليها.

كاتب لبناني