في يوم واحد كانت بعض أرقام ضحايا العنف السياسي أو الحروب الأهلية التي شهدتها أقطار عربية عديدة تقول إن العراق المنكوب قدم في يوم واحد (وفقاً للأرقام الرسمية المتواضعة) نحو عشرين قتيلا وعشرات الجرحى، بينما كانت الجزائر التي تحاول منذ سنوات أن تتعافي تتجدد فيها هجمات الإرهاب فتحصد أرواح عشرة أبرياء وتترك اكثر من عشرين جريحا، أما لبنان فكان يشهد حادثة تفجير الحافلتين التي راح ضحيتها ثلاثة مواطنين وجرح العشرات.
ومع ذلك فقد تركزت الأضواء على لبنان أكثر من غيره.. والأسباب كثيرة: فمن ناحية يبدو الرقم في العراق وكأنه يمثل تراجعاً ولو مؤقتاً عما وصلت إليه الأرقام قبل أيام في ظل سباق بين جماعات العنف وما يقال عن استراتيجيات جديدة لقوات الاحتلال الأميركي والحكومة للسيطرة على بغداد العاصمة.
وهو سباق وصلت فيه أرقام الضحايا إلى أضعاف هذا الرقم في أيام سابقة، ومن المؤكد انها ستتجاوزه بكثير في ظل الحملة العسكرية التي تقول الحكومة انها تستهدف محاصرة «الإرهاب» والقضاء عليه، بينما الحكومة نفسها متهمة ليس من خصومها السياسيين فقط، بل من حلفائها الأميركيين بأنها تمارس (عبر أجهزتها الأمنية) الحرب الطائفية بأسوأ صورها ضد مواطنيها من السنة العرب.
أرقام الضحايا في العراق في هذا اليوم العربي التعيس تبدو متواضعة بالنسبة لأيام سابقة، والكل شهد الأسوأ ويتوقع الأكثر سوءاً، والعرب يهربون من مواجهة الحقيقة، والأنظمة العربية لم تتحرك الا عندما قالت لهم واشنطن بالأميركاني الفصيح إن فشلها في العراق سيعني الكارثة بالنسبة لهم.
وهي حقيقة لم تكن تستدعي ان يدفع العراق ما يقرب من ثلاثة ارباع مليون ضحية من أبنائه وان يتهدم هذا القطر العربي الشقيق تماما لكي نفهمها، ولكنه الرهان الخائب من جانب البعض على قدرة أميركا على حسم الحرب في العراق خلال أيام، والتقدير الأكثر خيبة بأن تدمير العراق يمكن ان يكون في صالح أي طرف عربي.
أما الجزائر فأمرها مختلف.. سنوات من الحرب الأهلية المدمرة التي بدأت لمنع الأحزاب الإسلامية من تولي الحكم بعد فوزها في الانتخابات، ثم استمرت بعد ذلك، وبصورة لا تمت للدين ولا للإنسانية بأي صلة، لتحرق الجزائر وتستنزف قواها، قبل أن يبدأ الرئيس بوتفليقة جهوده على مدى سنوات حكمه لمحاصرة العنف وتحقيق المصالحة الوطنية..
هذه الجهود التي تصطدم الآن بموجة جديدة من العنف من جماعات أعلنت أنها أصبحت فرعاً لـ «القاعدة» لمنع إكمال المصالحة الوطنية التي يبدو أيضا وأن مصالح أجنبية متصارعة تضع عراقيل أمامها حتى تكون الجزائر في موقف اضعف وهي تفاوض هذه الأطراف على مصالحها الاقتصادية وفي مقدمتها الثروات البترولية، أما الأطراف العربية فالجزائر تبدو بالنسبة لها عالماً بعيدا، تركتها وحدها تصارع الإرهاب والتطرف.
ولم يتحرك البعض على الجانب العربي إلا عندما انتقلت نار الحرب الأهلية باسم الإسلام لتحرق أصابعه.. ورحم الله عبدالناصر الذي أدرك قبل نصف قرن أن استقلال مصر لن يكون كاملا الا إذا استقلت الأمة من المحيط إلى الخليج الذي ينبغي ان نضع عروبته فوق أي جدال.
الموقف في لبنان يختلف.. والصراع فيه وحوله يعني الكثير لكل الأقطار العربية، للقوى الإقليمية والدولية العديدة المنخرطة فيه. وانفجار الوضع في لبنان (وحتى بدون غزو خارجي كما تم في العراق) يعني ان المنطقة ستدخل سنوات من الصراعات التي تصدق فيها مقولة الإدارة الأميركية الحالية (والتي لم تصدق لها مقولة حتى الآن) بأنها ستجعل من العراق النموذج الذي يتم تعميمه في المنطقة العربية!!
هذه الحقائق كانت تعلمها كل الأطراف اللبنانية. فالأكثرية التي راهنت على الدعم الأميركي - الفرنسي لها عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأدركت بعد ذلك ان هذا الدعم الذي مكنها من الوصول للحكم لن يمضي بها لأكثر من ذلك، فالفشل الأميركي في العراق، والهزيمة القاسية للرئيس بوش في الانتخابات التشريعية، وتغير النهج الأميركي في المنطقة من محاولة تغيير الأنظمة العربية لتحل محلها أنظمة أكثر ولاء لأميركا ولـ «الديمقراطية» .
كما تبشر بها، إلى محاولة رص صفوف الأصدقاء من الأنظمة العربية في تحالف لـ «المعتدلين» يغطي الهزيمة الأميركية في العراق ويمنع انتشار الفوضى في المنطقة. تلك الفوضى التي كانت الآنسة رايس تبشرنا بأنها الفوضى الخلاقة التي ستساعدها على تغيير المنطقة، بينما الحقائق على الأرض كانت تؤكد أنها الفوضى المدمرة التي تريد ان تجعل من العالم العربي كله عراقاً منكوباً.
وقوى المعارضة اللبنانية من جانبها كانت حريصة على أن تمارس الضغط دون أن تصل إلى الصدام. كانت حريصة على بناء تحالف يضفي الطابع السياسي لا الطائفي على تحركها، ولا شك ان وجود الرئيس كرامي وبعض أقطاب السنة في الصف المعارض ساعد على ذلك، لكن الخدمة الكبرى (للبنان قبل المعارضة أو الموالاة) كانت وجود الجنرال عون بكل ثقله واستقلاليته في تحالف المعارضة كطرف رئيسي.
وهو الأمر الذي نزع فتيل الانقسام الطائفي من ناحية، وأضعف الاتهام الذي توجهه بعض قوى الأكثرية للمعارضة بالعمالة للمحور السوري - الإيراني أو بتنفيذ مخططاته في لبنان والمنطقة!!في هذا التوقيت تأتي حادثة تفجير الحافلتين عشية الاحتفال بذكرى رحيل رفيق الحريري لتعطي اكثر من رسالة.
لكن الرسالة الأساسية فيها أن هناك من لا يرضى باتفاق الأطراف اللبنانية على الحل، وهو يقول انه مستعد للذهاب إلى آخر الطريق لمنع هذا الاتفاق، وإنه إذا كان قد فشل في جر الجميع إلى الحرب الأهلية عبر الاغتيالات السياسية، فإنه سوف يستهدف الجميع، ويجعل الجماهير التي رفضت الانجرار إلى هذه الحرب تدفع الثمن.
وإذا كانت القوى الأساسية في لبنان تعرف بلا شك حقيقة الأهداف، وإذا كانت قد أعلنت تمسكها بنهجها السلمي ورفضها الانجرار إلى القتال الداخلي، فإن الرد على هذه المخططات يكون بالمضي قدماً في جهود المصالحة الوطنية التي ينبغي أن تتحقق اليوم قبل الغد. وإذا كان من فجروا الحافلتين قد أرادوا تذكير الجميع بأنهم مستعدون لتكرار تجربة الحرب الأهلية التي بدأت هي الأخرى بتفجير حافلة في عين الرمانة فإن التجربة علمت كل الأطراف اللبنانية أن الحرب الأهلية هي المستحيل الذي لا يمكن الاقتراب منه.
وإذا كانت بعض الأطراف مازالت تتصرف - بحكم العادة - بتوجيه الاتهام لدمشق عن كل ما يجري في لبنان، فإن العقلاء يعرفون أن سوريا طرف أساسي في المصالحة المطلوبة، والتي هي في مصلحتها قبل أن تكون في مصلحة أي طرف لبناني، كما أنها ضد مصالح إسرائيل قبل أي طرف آخر.
لقد راهن البعض على قدرة أميركا في فرض ما تريد في لبنان كما في المنطقة وفشل الرهان. وراهن البعض على قدرة إسرائيل على ضرب المقاومة وفرض شروطها على لبنان وفشل الرهان. وراهن البعض على إثارة حرب الأهلية تحقق لهم ما فشلوا في تحقيقه بالعدوان الخارجي وفشل الرهان. ويراهن البعض على قدرتهم على منع المصالحة الوطنية بأي طريقة ولابد أن يفشل الرهان.
وكما لابد يفشل رهان آخر بأن العرب سيظلون خارج اللعبة وأنهم إذا حضروا فسيحضرون بخلافاتهم وانقساماتهم، وأظن أن الرد على ذلك أصبح ضرورة قومية، وأن إنهاء الخلاف بين الرياض ودمشق لم يعد أمراً يمكن تأجيله، وأن القاهرة لابد أن تلعب دوراً أساسياً في هذا الاتجاه ليعود محور القاهرة - الرياض - دمشق، ليلعب دوره المفتقد بشدة بكل ما يؤدي إليه هذا الافتقاد من خسائر لن تتوقف عند حدود العراق أو لبنان، بل ستمتد بطول الوطن العربي وعرضه.
ومع كل التقدير لأي جهد عربي منفرد، فإن الأزمة اكبر من الجهود الفردية، والأهم أنها لا تتحمل خصومات بين أطراف عربية أساسية لن يستفيد منها إلا العدو الذي تمتد جرائمه من الجزائر إلى لبنان إلى العراق بينما جهوده تتواصل في مكان آخر حيث المسجد الأقصى مهدد بالهدم والقدس كلها يتم تهويدها، بينما الأشقاء في فلسطين يتبادلون التهاني باتفاق الهدنة العاشرة بين حماس وفتح ويدعون الله أن يكتب لها طول البقاء!!
نقيب الصحافيين المصريين