لن تجدي المؤتمرات والندوات والمناظرات بين فقهاء السنة والشيعة نفعاً، بشأن الوضع الدامي في العراق إذا لم تنته حصيلة هذه المؤتمرات والندوات والمناظرات إلى إصدار فتوى جماعية تقضي بتحريم سفك الدماء وإدانة القيادات المتورطة في تأجيج الفتنة الدموية وتصعيدها إلى درجة الإبادة.
قرب نهاية الأسبوع الماضي أقيمت مناظرة تلفزيونية بين قطبين من فقهاء المذهبين: العلامة د. يوسف القرضاوي عن السنة والمرجع الشيعي آية الله علي أكبر رفسنجاني.وبغض النظر عن الحجج الفقهية النظرية المتبادلة، فإنه لم يتحقق التقاء في الرؤية بشأن المسؤولية السياسية عما يجري في العراق.
ولكن حتى لو أخذنا في الاعتبار أن عبء المسؤولية عن المذابح الجارية بمعدلات خطيرة ومتصاعدة تتقاسمه قيادتا الطرفين فإن هناك حقيقة كبرى لا يجوز بحال من الأحوال تجاهلها أو التقليل من شأنها وهي أنه لو كانت هناك جهة واحدة يمكنها إطفاء الفتنة فإن هذه الجهة هي إيران.
من بين جميع الدول والأنظمة الحاكمة والتنظيمات الإسلامية فإن المرجعية الشيعية العليا الحاكمة في طهران لديها من النفوذ الديني والسياسي ما يجعل منها القوة المتفوقة القادرة على التأثير الحاسم في عراق اليوم وما يجري فيه.
بالطبع فإن من الثابت أن القوة الاحتلالية الأميركية هي التي أشعلت فتيل الفتنة من الوهلة الأولى لغزو العراق. ولكن هل كان لهذه القوة الاحتلالية الأجنبية المعادية للإسلام والمسلمين أن تنجح في تنفيذ مخططها الشرير لولا أن فئة من الشعب العراقي قبلت أن تتحالف معها ضد فئة عراقية أخرى؟
للمرة الأولى في التاريخ يعرف العراقيون مبدأ المحاصصة الطائفية المذهبية كمرتكز لنظام الحكم. وقد توافقت قيادات التنظيمات الشيعية العراقية مع قيادة القوة الاحتلالية على هذا المبدأ، لأنه يوفر لائتلاف هذه التنظيمات الغلبة في السلطة الحاكمة.
وهكذا على أساس هذا المبدأ رسمت وثيقة دستور انبثقت عنها مؤسسات سلطة تشريعية وتنفيذية تحت سيطرة طائفية شيعية.من هنا نشأت التداعيات الرهيبة التي نراها اليوم تتفاعل على المسرح العراقي، وتوسع نطاق الاشتباكات لتضاف إليه مذابح جماعية يومية تطال حتى الأسر بنسائها وأطفالها وعواجيزها.
ربما يقال إن عبء المسؤولية عن سفك الدماء المتبادل يقع على عاتق الجماعات السنية بقدر ما يقع على عاتق الجماعات الشيعية، إثبات مدى صحة هذا القول يحتاج بالطبع إلى تحقيق شامل وعميق لا تتوافر ظروفه، لكن أليس من الثابت أن هناك ميلشيات وفرق موت تمارس نشاطها الدموي تحت ظل وأعين سلطة الحكم؟
إن الغلبة النهائية ستكون عند نهاية المطاف للقوات الأميركية. فمن الواضح الآن أن مرتكز سياسة إدارة بوش هو تكتيك استخدام الشيعة ضد السنة تمهيداً لاستخدام السنة ضد الشيعة.