لا رجاء في تسوية حقة، ان حُصرت لعبة استقائها أو استسقائها، بمقايضة للمحكمة بالحكومة. بل لا مقايضة ممكنة في الأصل، للمحكمة بالحكومة، لو حصر البحث والبت بهما فقط، ولم يطرق ملف رئاسة الجمهورية.

شرط التسوية هو أن يطرق هذا الملف، ويجري الاتفاق على احترام موعد الاستحقاق (ما يعني ايكال أمر انتخاب الرئيس العتيد للمجلس النيابي الحالي بكل علاته)، والنظر بعد ذلك ان كان التفاهم ممكناً حول «الشخص» الذي ستؤول اليه رئاسة الجمهورية.

يكفي ذلك، لتبيّن تواضع حظوظ التسوية، اذا ما عنت أكثر من تهدئة ظرفية وطيفية، ورشح عنها استقرار ووضوح. فإن كانت التسوية تتطلب الاتيان برئيس «توافقي» فلسنا نعلم كيف يمكن لسياسي ماروني أن يكون «قويا» في طائفته، و«توافقيا» في الوقت نفسه، ترضى به السنة والشيعة على حد سواءمع كونه حكماً أقرب الى واحدة من الفرقتين.

فهل ينزل علينا من السماء رئيس جمهورية ماروني يجمع شرطي «قوة الحضور» في طائفته، و«الطابع التوافقي» لعلاقاته وسياساته وأمزجته؟ واذا ما رجعنا الى الأرض، وأدركنا أن ثالوث الموارنة الأقوياء يقتصر على سمير جعجع وميشال عون وأمين الجميّل، وجب طرح السؤال رأساً، من هو الأقرب من هؤلاء الى الجمع بين «قوة الحضور» في طائفته وبين «الطابع التوافقي» لعلاقاته وسياساته وأمزجته؟ أما ان كان الرئيس العتيد رابع هؤلاء، فكيف يكون قوياً في طائفته، بل كيف يكون توافقياً، لأن الرابع من غير هؤلاء، إما أن يكون ظلاً لأحد منهم، وإما أن يكون ظلاً للسنة أو ظلاً للشيعة؟

ليست التسوية مستحيلة، إلا أنها مستحيلة ما لم تشمل، قبل كل شيء، ملف الرئاسة. هذا يعني أنها معقدة نظرياً، وصعبة عملياً، لكن في كل الأحوال، لا سبيل الى الاتفاق على مخرج حكومي أو على مخرج يعني المحكمة ذات الطابع الدولي، ثم اعتبار أن ذلك سيمهّد لحل مشكلة الرئاسة. ان ذلك لتجريد بلا طائل، ومضيعة للوقت، وهدر للأعصاب، وبين الفينة والفينة، لبعض من الدماء الزكية.

عقدة العقد أنه مطلوب «التوافق» على رئيس «غير توافقي». ولا يمكن حل هذه العقدة بالمكابرة عليها، أو بابتسارها، كما لا يمكن حلها من طريق قلبها، فالشخصيات «الوفاقية» أصعب من أن يرسو عليها «التوافق» الداخلي والخارجي من الشخصيات «غير الوفاقية».

واذ «صدف» أن انعقد مشروع تسوية ما على رئيس لا يكون جعجع أو عون أو الجميّل، فإننا لن نرى أقل من هذه الأسماء الثلاثة تتحد في بوتقة واحدة، بسرعة البرق، وتزف الينا قيام «الساعة».

ليس الموضوع ان يكون الرئيس العتيد من داخل أو من خارج 14 آذار، ومن متن 14 آذار أو من تخومها. وانما الموضوع الأساس هو امتناع القدرة الذهنية والعاطفية على تصور رئيس يكون إما جعجع أو عون أو الجميل، وفي المقابل امتناع القدرة على تصور رئيس لا يكون لا جعجع ولا عون ولا الجميّل.

الحظوظ متواضعة لإمكان التوصل الى تسوية، وهي ان كانت الآن «معدومة»، فإنها مع ذلك ليست «مستحيلة». لكن المهم الشخوص الى أنها حظوظ «دقيقة»، تحتسب بميزان الصائغ، مع أنه يراد منها أن ترسو على رئيس يعرف مسبقاً بأنه لن يلتزم بميزان الصائغ، ولا بأي ميزان آخر طوال عهده.

واذا كنا في الماضي نردّد أن رئيس لبنان يأتي بموجب تفاهم شرقي ـ غربي أو أميركي ـ سوري، فإن الأمور قد صارت أكثر تعقيداً منذ عطفة التمديد لاميل لحّود. ان الرئيس العتيد لو اهتدت اليه تسوية ما، فإنه لن يكون رئيس التسوية السورية ـ الأميركية، ولا التسوية بين العالمين الاسلامي والغربي، وانما، قبل كل شيء آخر، سيكون رئيساً يمكن أن تتفق على ترشيحه كل من المملكة العربية السعودية... ودولة قطر. وإلا فلا رئيس تسوية، ولا تسوية، ومخيم الاعتصام سيصير إذ ذاك مخيمين. وبدلا من الرئيس سيكون لنا اثنان، وبدلا من الحكومة ستقوم حكومتان.