ليس بالضرورة أن تكون جيوش الغزاة تحيط ببلد أو وطن حتى نعلن أننا في حالة حصار، يكفي أن يكون الغزاة يمتلكون القرار، ويضعون السياسات، ويرسمون الاستراتيجيات، حتى تتحوّل الأوطان إلى دول محاصرة من دون حقول ألغام ولا أسلاك شائكة.

يخطئ مَنْ يظن أن بلداننا العربية، أو معظمها على الأقل، حرّة وسيّدة نفسها! ويخطئ مَنْ يعتقد أن صداقة الذئب تجنّبه خطرَ الافتراس. فالعرب من خليجهم إلى محيطهم في دائرة الخطر والاستهداف، وداخل حصار الأسلاك الشائكة الأميركية، وفي مرمى البوارج الأميركية. ‏

غريب أمرنا نحن العرب، نقع في الحفرة نفسها مرّتين.. بل أكثر، ونسلّم أمرنا لمن لا يهمه أمرنا، ونكرّر الخطأ نفسه مرّة بعد مرّة. ‏

ذات يوم وعدونا بالمنّ والسلوى، وبدولة عربية ذات وزن وشأن، وتمت مراسلات «مهمة جداً» نعرفها اليوم في كتب التاريخ باسم «مراسلات حسين ـ مكماهون»، فإذ بنا نستيقظ من حلم الدولة العربية الوردي على تقطيع سكين مكماهون لأوصال هذه الدولة الموعودة، وإذا بالوعد البريطاني كان قد أعطي لنا كذباً وخداعاً، بينما الوعد الحقيقي منح للمؤتمر الصهيوني، وقسّـمت الأرض العربية بين القوى الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. ‏

اليوم حتى الوعود الكاذبة لم يعد لها وجود، ومُنع على العرب مجرّد الحلم، فصار «الشاطر!» هو الذي يؤجّل تاريخ إعدامه، ويحصل على شرف البقاء في كرسيه الفاره الفاخر! ‏

أصبحنا في حالة حصار من الداخل والخارج معاً، وما عاد همّنا قضية مصيرية، ولا هوية عربية، ولا حتى الانتماء للأوطان الصغيرة التي أعملت فيها سكين الغزاة تقطيعاً وتقسيماً. ‏

وليس هناك حتى مراسلات حسين ـ مكماهون معاصرة، بل صارت هناك رسائل من طرف واحد هو الأضعف، الى الطرف الأقوى لاسترضائه واسترحامه كي يكفّ أذاه عنّا ولو إلى حين. ‏

العرب في حدودهم المكهربة والمسيّجة بالأسلاك الشائكة، يعيشون حالة حصار ربّما غير مسبوقة، ويحمدون الله عزّ وجلّ صباح مساء، وهو الذي لا يُحمد على مكروه سواه! وأيّ مكروه يوازي هذا الذي نعيشه اليوم؟. ‏

هل هذا هو قدر العرب المحتوم؟ هل كُتب علينا أن نتعايش مع هذا الواقع الأليم، ونسهم بإرادتنا وبكامل أهليتنا وإدراكنا في سايكس ـ بيكو جديدة تقسم الأرض العربية المقسّمة أصلاً، إلى قطع صغيرة توزّع على أمراء الطوائف والمذاهب والعصبيات والأعراق التي تشكّل جميعها نسيجَ الوطن العربي؟ ‏

قد يكون كلامنا قاسياً، وربّما يراه بعض الناس سوداوياً، لكنّنا، صدقاً، نحرص على عدم جرح مشاعر الأشقاء العرب، وننتقي العبارات الأكثر تهذيباً ورقّةً ونحن نتطرّق الى هذا الموضوع.. فلربما كان كلامنا جرسَ إنذار يوقظ النائمين الغارقين في بحار العسل والحليب والكافيار! ‏

لن نملّ من قرع جرس الإنذار على أمل أن يكتشف بعض أصدقاء أعداء العرب أنّهم على خطأ مبين.ولن نملّ من تكرار ما هو موجود في الوثائق السريّة والعلنية التي ترسم خريطة الوطن العربي المستقبلية. ‏

دعونا نعيد النائمين مرّة أخرى الى وثيقة خطيرة نشرتها مجلّة «كيفونيم» التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، وتاريخ هذه الوثيقة هو: 14/2/1982، وعنوانها: «استراتيجية إسرائيلية للثمانينيات» فماذا تقول؟ ‏

لن نعيد نشر الوثيقة في هذا الحيز الضيق، لكن عناوينها العريضة تتركز على: ‏ ـ ضرب العراق وتدميره وتقسيمه.‏ـ تقسيم لبنان الى دويلات طائفية. ـ إحداث فتن طائفية في مصر والشمال الإفريقي.ـ تهجير كلّ الفلسطينيين ما بين النهر والبحر الى الأردن.. وربما الى ما بعد الأردن، لإقامة «دولة يهودية صافية» على أرض فلسطين. ـ فصل جنوب السودان عن شماله. ‏

هذه أبرز الأفكار التي وردت في تلك الوثيقة الخطيرة قبل ربع قرن، فماذا يجري على الأرض العربية اليوم؟ لنقرأ الوثيقة ونقارن ما بينها وبين الوقائع وبعدها نعطي العقل فرصةً للتأمل والتفكير.. فلربما يأتي بعد ذلك التدبير!.. ‏

حالة الحصار ليست قدراً مقدّراً علينا، فالحلُّ لا يزال في أيدينا، والعرب على الرغم من كلّ سوداوية هذا المشهد قادرون على كسر الحصار والدفاع عن أنفسهم ووجودهم ومستقبل أجيالهم باقتدار إذا امتلكوا الإرادة والتصميم والرغبة في صنع التاريخ. ‏

والعرب ليسوا وحدهم في هذه الحرب، فلديهم أصدقاء في المحيط الإقليمي كإيران وتركيا، وعلى الساحة الدولية، على استعداد للوقوف معهم في حربهم ضد مَنْ يريد محاصرةَ الوطن العربي وإعادة تقسيمه وزرع الفتن والنعرات الطائفية في أرجائه. ‏

لكن لا يمكن أن يكون أصدقاء العرب مع العرب إن لم يكونوا هم أولاً مع أنفسهم ومع قضيتهم... فهل هناك مِنْ مجيب.. أم أن أصوات الشارع العربي تذهب أدراجَ الرياح؟..