حمي الوطيس الانتخابي منذ شهور في فرنسا استعداداً للموعد الرئاسي القادم الذي سيجري حسب الدستور على دورتين الأولى يوم 22 أبريل والثانية الحاسمة يوم 7 مايو 2007.

ويتنافس جمع من المرشحين على خوض هذه الرئاسيات المهمة من مختلف أطياف السياسة الفرنسية، لكن المرشحين الأربعة الأبرز هم نيكولا ساركوزي عن الحزب اليميني الحاكم و سيجولان روايال عن الحزب الاشتراكي المعارض و فرنسوا بايرو زعيم حزب الوسط و جون ماري لوبان المتطرف اليميني المتشدد زعيم الجبهة الوطنية. والى جانب هؤلاء نجد مرشحين عن حزب الخضر والحزب الشيوعي ومنظمات أقصى اليسار، وكذلك فيليب دو فيلييه اليميني الذي أسس حملته الانتخابية على العداء المعلن والمتطرف للاسلام والمسلمين المتواجدين في فرنسا.

ورغم أن محاور الهجرة والمسلمين والاندماج والمجتمع المتنوع الأعراق هي محاور أساسية في الحملات الانتخابية لجميع المرشحين إلا أن الجاليات المسلمة التي تشكل حوالي مليوني ناخب ظلت بعيدة عن مراكز الحوار والتأثير، بينما تمثل قوة انتخابية ذات وزن ومن مصلحة كل مرشح أن ينال رضاها ويتمتع بمساندتها، بل بإمكانها تحقيق النصر أو تكبيد الهزيمة لأي مرشح لو كانت موحدة الكلمة مرتفعة القامة جهورية الصوت! فما هو سر الغياب الملفت للعرب والمسلمين في حملة تمس حياتهم اليومية وتحدد مصيرهم كجالية من جاليات الوطن الفرنسي؟

حينما نتابع بحث المرشحين عن استرضاء مختلف الطوائف المتعايشة على الساحة الفرنسية نجد بأن كل المرشحين حرصوا على التنافس لكسب تعاطف الفرنسيين اليهود بزيارة مؤتمر منظمة(الكريف) اليهودية وإلقاء خطاب في المؤتمرين لتقديم الولاء لقضية الهولوكوست والدفاع عن سياسات إسرائيل. وكانت هذه الزيارة لمعقل اليهودية الناشطة في أوروبا هي التي تضمن أصوات اليهود الفرنسيين وقوة تأثيرهم الإعلامي والمصرفي لكل مرشح يتميز بالتأييد للجالية اليهودية باسم مكافحة العداء للسامية والوعد باتخاذ إجراءات أشد لمقاومة التمييز ضد اليهود وقوانين أكثر صرامة لمعاقبة كل من يشكك في الهولوكوست.

وقد برز على هذه الساحة كل من ساركوزي اليميني وسيجولان الاشتراكية للتسابق نحو استجداء أصوات الفرنسيين من أعراق يهودية، فأعلن ساركوزي أثناء زيارته لواشنطن أنه يساند سياسة المحافظين الجدد في الشرق الأوسط، وأعلنت روايال في زيارتها لإسرائيل بأنها تقف ضد حصول إيران حتى على الطاقة النووية المدنية، وأنها تعتبر حزب الله وحماس منظمتين إرهابيتين !

أما العرب الفرنسيون، فبالرغم من تسليم الجميع بأنهم منحوا المجتمع الفرنسي خيرة نخبه الناجحة من أهل التخصصات التكنولوجية الدقيقة وحاملي أعلى الشهادات العلمية ورجال الأعمال وأصحاب المبادرات الذكية وعددهم بعشرات الآلاف فإنهم ظلوا قليلي الحضور في الأحزاب السياسية وضعاف التأثير في توجيه القرار السياسي، إذا ما استثنينا وجود رشيدة داتي المغربية الأصل في حلقة المقربين جدا من المرشح ساركوزي وهي الناطقة الرسمية باسمه.

والسبب كما نراه هو غياب التنسيق بين أبناء الجالية العربية المسلمة وعدم اللقاء مع بعضهم البعض في جمعيات تنشأ لهذا الغرض أي لتوحيد البرامج وتأليف النشاطات من أجل تكثيف وتفعيل المشاركة العربية المسلمة في الحياة السياسية التي تتيحها الديمقراطية في فرنسا ويرعاها الدستور ومؤسساته في هذا البلد الأمين.

فالشباب العربي المسلم لايزال في بعض الضواحي الصعبة عرضة للانحراف وضحية للتمييز العنصري، ربما تتقاذفه الميول المتطرفة بسبب الفراغ والبطالة ولم يجد إلى اليوم لدى النخبة الناجحة المتفوقة من العرب الفرنسيين تأطيرا وتوجيها يساعده على تجاوز الأزمات ورفع التحديات.

والمسؤولية كذلك ملقاة على عاتق الدول الأصلية لهذه الجالية وهي لم توفق في ربط الصلات الدائمة ومد الجسور الراسخة مع أبنائها المتواجدين في فرنسا لتجعل منهم وسائط حوار وتعاون مع المجتمعات الأوروبية التي تأويهم وتحتضن أجيالهم، بل اكتفت أكثرية هذه الدول في أحسن الحالات بأداء المهمات الدبلوماسية والقنصلية للمواطنين المقيمين في فرنسا والاتحاد الأوروبي عموما دون اعتماد استراتيجية مبتكرة لمزيد تفعيل تأثيرهم السياسي في وطنهم الثاني، بينما هم معرضون لمخاطر التهميش والتمييز مع اتساع الاتحاد الأوروبي إلى بلدان مثل بلغاريا ورومانيا والمجر التي أصبحت المنافس الصعب لبلدان المغرب العربي وإفريقيا في كل المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية.

وبعد هذا هل يحق لنا الشكوى من غيابنا المتواصل عن مسيرة هذه المجتمعات التي نعيش فيها ونعمل ونقدم الغالي والنفيس من أجل تقدمها ومناعتها، ولكن دون مساهمة تذكر في نحت مصيرها؟

كاتب تونسي

alqadidi@hotmail.com