ارتفع النسر الأميركي يحلق عالياً في سماء المنطقة العربية بعد أن انقض على طريدته الأولى وتركها ممزقة في لمح البصر. فكان مشهد الأنظمة العربية والنسر المحلق غداة الغزو، أشبه بمشهد الصقر الذي يطلقه الصياد فيظل يحلق فوق سرب من طيور الحبائر المرعوبة الملتصقة بالأرض في شلل تام لا تسيطر على أي عضو في جسمها أو ما يخرج منه، حيث كل طائر منها يطأطئ رأسه متصوراً انه هو أول من سينقض عليه الصقر المحلق فوق رؤوس الجميع.
لقد زاد من مأساة وهزلية هذا المشهد التغير الذي طرأ على فحوى رسالة الغزو الأميركي للمنطقة بعد أن تم تحقيق نصر رخيص خاطف ولم تفلح جهود البحث في الكشف عن وجود أسلحة دمار شامل، فكل ذلك أدى إلى تغيير في مفردات الخطاب الأميركي في مواجهة الأنظمة العربية مما جعل هذه الأخيرة تكتشف وسط الدهشة والرعب بأن النسر المحلق بنشوة نصر تعاونوا هم أيضاً معه في صنعه، لم يعد يبحث عن أسلحة مزعومة مخبأة في العراق ولا عن أعداء جغرافية «سايكس بيكو» السياسية، بل أصبح هدفه كل واحد من طيور السرب الذي يتلظى خوفاً وهو يرى ظل أجنحة النسر المحلق فوقه.
فبعد تغير المفردات الذي طرأ على خطاب الغزو، لم يعد أي نظام سياسي في المنطقة بمنأى عن التغيير بما في ذلك الحلفاء المخلصون في كل المواقف والمشاركون في كل مشاريع الغرب التدميرية التي عرفتها المنطقة في تاريخها الحديث، فالمرحلة التي بدأت صبيحة الغزو لم تعد تعتمد على سياسات واعتبارات وثوابت المراحل السابقة كأساس للاستراتيجية الأميركية بعد غزو واحتلال العراق، ولهذا فإن التحالف والتفاني في خدمة الاستراتيجية الأميركية في الماضي لم يعدا في نظر مخططي هذه الاستراتيجية في القرن الواحد والعشرين معياراً يصلح للتمييز بين هذا النظام السياسي العربي أو ذاك.
بعد غزو العراق وسقوط النظام في لمحة بصر وتبني الكثير من المثقفين والمعارضات العربية للاحتلال كوسيلة شرعية لإسقاط الأنظمة الاستبدادية في بلدانهم واستبدالها بحكومات ديمقراطية، لم يعد بعد كل هذا ثمة مشكلة في إيجاد حلفاء، فالسوق السياسية العربية غدت صبيحة الاحتلال تعج بحلفاء تحت الطلب.
فالتحالف مع الغرب لم يعد من المحرمات منذ أن تجاوزته معظم الأنظمة العربية في العشرية الأخيرة من القرن الماضي حيث قاتلت بالسلاح وبالرجال إلى جانب جيوش الغرب الغازية ضد دول وشعوب عربية أخرى تحت دعاوى مختلفة، ثم جاء الغزو الأميركي للعراق والتعاون معه ليتوج مرحلة كسر المحرمات بفتح الطريق أمام الكثير من المثقفين والمعارضات العربية ليعلنوا عن ترحيبهم بفكرة الاحتلال واستعدادهم لمواكبة فيالق الغزو من الخارج أسوة ببعض نظرائهم العراقيين أو لاستقبال دبابات الغزاة بالورود حالما تصل طلائعها إلى ضواحي عواصم بلدانهم.
لذا لم تعد التبعية والإخلاص على حساب المصالح الوطنية، صفات وشروطاً كافية في نظر الاستراتيجية الأميركية الجديدة للإبقاء على هذا النظام أو ذاك، بل أصبح المطلوب حكومات تحمل إلى جانب هذه الشروط صفات أخرى تؤهلها لمسايرة مقتضيات قرن العولمة الأميركية من ناحية وتمنحها من ناحية أخرى القدرة على إشاعة أجواء وفتح مسارات تؤدي إلى تخفيف الكبت والاحتقان في الحياة السياسية الداخلية تحت مظلة نوع من الديمقراطية، التي لا تطال حرية الرأي والجدل فيها مسلمة الوجود الاقتصادي والسياسي والعسكري الأميركي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من صفقة الديمقراطية التي سيتنعم بها الجميع.
لقد أصبحت الديمقراطية صبيحة الاحتلال فجأة هي أطروحة الغزو الأساسية على أساس أنها هي العلاج الشافي لأمراض التطرف والتعصب التي نمت في أحضان دكتاتورية بعض الأنظمة العربية، فبدت وسط نشوة الانتصار إزالة أي نظام عربي بالقوة أيسر واقل تكلفة من الأخطار المحدقة بالولايات المتحدة والغرب عموماً والمتمثلة في طوفان التعصب والإرهاب اللذين ينشآن كردة فعل على تعسف وقهر هذه الدكتاتوريات بما في ذلك أكثرها تبعية وطواعية. هكذا بدا المشهد صبيحة الاحتلال، نسر منتش بدماء طريدته يحلق عالياً في سماء الشرق الأوسط، وحبائر مذعورة على الأرض، لم تفاجأ بتحليق النسر ولكن أرعبها تبدل نواياه.
كاتب ليبي