من حيث المبدأ، حمل اتفاق مكة بين حماس وفتح دلائل قوية ودامغة على نجاحه، وظهرت مؤشرات جلية على أنه لن يوضع على رف الإهمال والنسيان مع ما سبقه من اتفاقات وتعهدات للطرفين، لم تفلح في وقف الاقتتال الداخلي بين رفاق وأخوة الدم والتراب، ولم تؤد على تنوعها وثقل الأطراف الراعية لها إلى بلورة رؤية فلسطينية مبدئية، للتعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة، التي هي الأصعب والأهم في تاريخ النضال الفلسطيني بشقه القتالي والسياسي.

والتعويل على نجاح اتفاق مكة لا ينبني فقط على تعهدات القادة الفلسطينيين، أو عدم استعدادهم لإغضاب المملكة العربية السعودية التي تقدم مساعدات مالية ملموسة لهم، لكنه يتأسس أيضا على توافر ظروف موضوعية جعلت حماس وفتح في حاجة ماسة إلى مثل هذا الاتفاق، وإلا تضاعفت خسارتهما معا بمرور الأيام، بفعل تآكل قاعدتهما الجماهيرية، وتصدع قوتهما ونفوذهما السياسي، وتشوه صورتهما في العالم، وافتقادهما لتعاطف الرأي العام العربي والإسلامي، وكل هذه أمور المستفيد الوحيد منها هي إسرائيل.

لكن استمرار هذا الاتفاق على قيد الحياة، وترسخه ليصير قاعدة للعمل الفلسطيني المشترك في المستقبل المنظور، يحتاج إلى قدرة فائقة من الطرفين على تجاوز ما يكمن في التفاصيل من نقاط خلافية، وأمور شائكة، واتخاذهما إجراءات عملية تنهي تضارب الاختصاصات بينهما في تسيير العمل اليومي، بيروقراطيا وسياسيا، وقبل كل هذا إيجاد حل لمعضلة الموقف من إسرائيل، يوازن بين المصالح الوطنية الفلسطينية العليا والدائمة، التي تسمو على الظرف الراهن، ورؤى الأطراف السياسية الحالية، وبين المواقف الدولية من القضية الفلسطينية، والتي تدير ظهرها لأي طرف فلسطيني لا يعترف صراحة بإسرائيل.

والنقطة الأخيرة هي الأكثر حرجا، وقد تفاداها اتفاق مكة مرحليا وبذكاء وحنكة، من خلال التأكيد على الاحترام المبدئي لقرارات الشرعية الدولية، وقرارات القمم العربية، والمبادرة العربية للسلام التي أطلقتها السعودية وأقرها القادة العرب في قمة بيروت عام 2002، وجميعها تفرض على إسرائيل التزامات وشروط حتى تتسنى عدم مقاومتها بوصفها دولة محتلة، أو الاعتراف بوجودها باعتبارها أمرا واقعا. فهذه المعادلة لا تجعل تلك القرارات «فرض عين» على بعض الأطراف الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس، إذا لم تف إسرائيل بما عليها من واجبات حيال القرارات المذكورة، وأهمها الانسحاب من كافة الأراضي التي وقعت تحت الاحتلال عام 1967.

وفي ظني فإن هذه المعضلة يمكن التعاطي معها إيجابيا من خلال طريقتين:

الأولى تتمثل في ضرورة الحفاظ على المسافة الفاصلة بين قناعات وانحيازات وخيارات التيار الفلسطيني النضالي، المتمسك بالحلول الجذرية، والرؤى بعيدة المدى والغايات العامة التي يصبو إليها الشعب الفلسطيني بمختلف مشاربه واتجاهاته، وبين التزامات النخبة السياسية الرسمية، وحاجتها إلى المرونة الدبلوماسية.

والثانية هي العودة الدائمة إلى الشعب الفلسطيني بوصفه صاحب الحق الأصيل في اتخاذ القرارات التي تحدد مصير البلاد، وبذل جهد كبير لإفهام هذا الشعب أن تأسيس التصورات السياسية الفلسطينية على ما يرضي إسرائيل هو خطأ تاريخي واستراتيجي، فلا إسرائيل يرضيها شيء، ولا تشبعها تنازلات، وليس لها من صديق ولا حليف سوى مصلحتها، وليس لها من رفيق سوى من بوسعه أن يخون الفلسطينيين، ويجهض نضالهم الطويل.

ويحتاج الفلسطينيون في هذا الوقت الحرج إلى أن تعود قضيتهم لتصبح القضية المركزية في التفكير والحركة السياسية العربية المعاصرة، بعد أن كاد الصراع مع إسرائيل أن يتحول من صراع عربي ـ إسرائيلي إلى صراع فلسطيني ـ إسرائيلي. فالجهود التي قربت بين حماس وفتح، ووضعت حدا لاقتتالهما، لا بد أن تتسع في المحيط الإقليمي لتشمل العرب برمتهم، ليحمل الجميع مجددا على أكتافهم مسؤولية رعاية الفلسطينيين ماديا ومعنويا، ومساندتهم في المحافل الدولية لتخفيف الضغوط القاسية التي تمارسها إسرائيل عليهم، والتي تغذي وتشجع تناحرهم.

وليبدأ الجهد العربي من مساعدة الفلسطينيين حتى يعيدوا تشكيل «منظمة التحرير» ثم مساندة حكومتهم الائتلافية في أداء المهام المنوطة بها. أما تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد ورقة في منافسات إقليمية عربية مؤقتة، أو إلى وسيلة تستخدمها بعض الدول العربية لإظهار مدى مكانتها الإقليمية، أو لكسب شرعية في الداخل والخارج، فيمثل نظرة قاصرة، وخطأ فادحا سيخسر منه العرب جميعا.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة