إن عشرات الملايين من ضحايا الحروب العالمية والصراعات الأهلية في العالم على مر التاريخ الإنساني، تشير إلى أن صراع الإنسان مع أخيه الإنسان مستمر، ومنذ أول جريمة في التاريخ بقتل « قابيل» لأخيه «هابيل» لا يزال الصراع مستمرا بين دعاة الخير ودعاة الشر، والنور والظلام، والعلم والجهل، والعدل والظلم، والحرب والسلام، وفى النهاية بين إنسان قاتل وإنسان مقتول، ومعتد ومعتدى عليه.

ولم تكن كل هذه الحروب وهذه الجرائم الإرهابية التي ارتكبت ضد الإنسانية عربية ولا إسلامية وفى خمسة عقود من الزمان خلال القرن العشرين شهدت البشرية أكبر حربين عالميتين بين إمبراطوريات استعمارية نازية وفاشية، ورأسمالية وشيوعية، أوروبية وأميركية، بل كان العرب والمسلمون هم من أكبر ضحاياها بسيطرة الاستعمار الأوروبي البغيض ومن بعده محاولات إخضاعهم بالقوة العسكرية والحصار الاقتصادي للهيمنة الأميركية الصهيونية.

غير أن تاريخ العرب والمسلمين البعيد والقريب لم يكن استثناء في التاريخ الإنساني، فقد شهد فترات من الحروب معظمها كانت دفاعية لا عدوانية وأبرزها حروبهم مع القوتين العظميين في عالمهم وهما الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية، وفترات من الفتن كانت أخطرها «الفتنة الكبرى» في معركة «صفين» بين أنصار «علي بن أبي طالب كرم الله وجهه» وأتباع «معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه» لأسباب كانت في معظمها سياسية وبنتائج مذهبية فقهية متنازعة!

وطالما قضت حكمة الله أن يبقى في الكون ملاك وشيطان، وليل ونهار، و كما تقضي بتدافع الخير والشر والقوة والمقاومة لتحريك عجلة الحياة وتحقيق عمارة الكون فسيبقى «قابيل» قابع فينا رمزا للطمع وللحماقة وللإجرام ما بقي في داخلنا شيطان يوسوس لنا ويدفعنا بضعف الإيمان إلى طريق الشر، كما سيظل «هابيل» قابع فينا أيضا رمزا للتعقل والتسامح والسلام ما بقي في داخلنا إيمان يهدينا إلى طريق الخير.

وبينما أنتصر العرب والمسلمون في معظم حروبهم الكبرى على أكبر القوى من غير المسلمين ومن غير العرب سواء في «القادسية» أو في «القسطنطينية» بقوة توحيدهم واتحادهم ونهضتهم، فلقد واجهوا أكبر هزائمهم سواء في «غرناطة» أو في «الإستانة» بسبب تفرقهم إلى طوائف وأعراق، وطلب للدنيا بدلا عن الآخرة بسبب ضعف عقيدتهم وتراجع نهضتهم.

لكن المفارقة الكبرى بما تعطيه لنا من دلالات ودروس تبدو واضحة بين مواجهتين، ففي حين أنهم استطاعوا الانتصار على أعدائهم في قتالهم مع غيرهم في الحروب الكبرى، فإنهم لم يستطيعوا الانتصار على أنفسهم في اقتتالهم مع أشقائهم في الفتن الكبرى، بل إن ما واجهوه من هزائم في حروبهم الأخيرة إنما كان نتيجة طبيعية لانزلاقهم بغير علم إلى التفرق والتعصب أو لاندفاعهم بغير فهم إلى التنازع و الاقتتال.

ولأن التاريخ هو أكبر مدرسة لتعلم كيفية صياغة الحاضر في الطريق إلى المستقبل، وأن استيعاب دروسه يفترض أن يمنع المؤمن من أن يلدغ من جحر واحد مرتين، فإن تتابع الفتن سواء القومية أو الدينية، أو السياسية أو المذهبية التي تشق الصف العربي والإسلامي يدعونا إلى التساؤل عما إذا كنا حقا قد فهمنا ما قرأناه من تاريخنا، أو علمنا ما تعلمناه من تعاليم ديننا ؟

إن أوضح ما تعلمناه من دروس التاريخ هو أن الدين يوحد وأن السياسة تفرق، وأن الاتحاد قوة والتفرق ضعف، وأنه لا أمان إذا ضاع الإيمان، فتوحيد الله بالدين يوحد أهداف وصفوف المؤمنين تحت عنوان «كلنا مسلمون»، بينما يفرق تعصب الناس بالسياسة للأشخاص أو للمصالح أبناء الدين الواحد إلى مذاهب متعارضة وأبناء الشعب الواحد إلى أحزاب متنازعة.

كما أن أهم ما تعلمنا من تعاليم ديننا هو أن الإسلام في نهجه التوحيدي الوحدوي يؤمن بكل ما سبقه من رسالات سماوية، ولا يفرض الإيمان به بالقوة على غير المسلمين، بل يسعى إلى توحيد الكلمة بين المسلمين وغير المسلمين من المؤمنين برسالات السماء من المسيحيين واليهود على كلمة سواء كقاسم مشترك أعلى هي عبادة الله وحده وعدم اتخاذ فرد من عباده ربا من دون الله.

إن أولى النتائج المنطقية لهذه الدروس الدينية والتاريخية تصب في اتجاه تكريس نهج التوحيد والاتحاد بين المؤمنين، وإذا كان الله يأمر المسلمين باتحاد الكلمة والصف بدعوة غير المسلمين من أهل الكتاب إلى كلمة سواء على أساس القاسم المشترك الأعلى بين أتباع الرسالات السماوية الثلاث وهو وحدانية الله والأخوة بين الأنبياء والرسالات.

أفلا يكون من الأولى بالمسلمين من أشياع كل المذاهب أن يجتمعوا على كلمة سواء بين بعضهم البعض على أساس القاسم المشترك الأعلى بينهم جميعا وهو وحدانية الله وإيمانهم برسول واحد واتجاههم إلى قبلة واحدة في صلاتهم والتزامهم بالأركان الخمسة نفسها في إطار وحدة الدين الإسلامي.. وإذا كان لا خلاف على الأركان والأصول ولكن في بعض الفروع، وأن ما يجمعون عليه أكثر مما يختلفون فيه.. فكيف يمكن للفتنة أن تمر إلا بقلب الحقائق؟!

وبينما تواجه الأمة العربية والإسلامية شبح إشعال فتنة كبرى جديدة لا نستطيع أن نخفى على أنفسنا مدى خطورتها وشرورها، فمن المهم أن ندرك أن التصادم في حقيقته سياسي بين فريقين يمثلان أشياع وأتباع مشروعين سياسيين متصادمين هما المشروع الأميركي الصهيوني الذي يحاول فرض الهيمنة على الشرق العربي والإسلامي، في مواجهة مشروع عربي وإسلامي للمقاومة والتحرير.

ولزرع الفتنة بين العرب والعرب وبين العرب والإيرانيين وبين المسلمين والمسلمين يسعى أعداء العرب والمسلمين إلى شغلهم بمواجهة أنفسهم بدلا من مواجهة عدوهم، وذلك بتحويل الصراع السياسي إلى صراع مذهبي بائس بإشعال حريق بين سنة وشيعة بالتآمر وبالدسائس وبترويج الشائعات وبالشحن الطائفي ليحترق فيه كل العرب وكل المسلمين، وليمر تحت ساتر من دخان الحريق المشروع الاستعماري الخبيث على أشلاء محترقة مسلمة شيعية كانت أم سنية. .لا فرق.

ودعونا نتكلم بصراحة، إن غالبية المسلمين سواء المتعلمين منهم والأميين، سواء في الدول التي توصف بأنها ذات غالبية سنية أو شيعية، لا تعرف إلا المعلوم من الإسلام بالضرورة بينما لا يعنيها كثيرا أن يكون المسلم سنيا أو شيعيا أو على غير ذلك من المذاهب طالما كان مسلما، وتستنكر بشدة ذلك التعصب البائس من المتشنجين من أتباع أى من المذهبين، وتستنكر بشدة أن يتحول الاختلاف السياسي إلى اختلاف مذهبي..

كما ترفض أن يتحول الاجتهاد الفقهي المفروض الذى يثاب بأجر إن أخطأ ويثاب بأجرين إن أصاب إلى اقتتال دموي مرفوض بين المسلم وأخيه المسلم ،بينما الثابت والمعلوم من الدين بالضرورة في كل المذاهب أن القتل جريمة محرمة شرعا و «أن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا».. و..« أنه إذا خرج المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار».

من هنا فإن الجهود الإسلامية الإيجابية التي بذلت على مدى العقود الماضية مثل مجمع التقريب بين المذاهب في «القاهرة» برعاية الأزهر الشريف، أو التي تبذل حاليا من جانب المنظمات الإسلامية ومن كبار علماء المسلمين السنة والشيعة بعقد مؤتمر «مكة المكرمة» بمبادرة من منظمة المؤتمر الإسلامي، أو بعقد مؤتمر « الدوحة » للمذاهب الإسلامية بمبادرة من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين تمثل ضرورة بالغة الأهمية لتحقيق التفاهم والتقارب بين المذاهب الخالي من الدس والتشويه لأحكام الدين ولاجتهادات الأمة والعلماء المجتهدين ولوأد الفتن الجاهلية وإحباط المخططات الاستعمارية في العراق ولبنان وفلسطين والسودان وعلى امتداد الأمة العربية والإسلامية.

غير أن أبرز ما يجري الآن في المقابل من جانب أعداء العرب والمسلمين من الصهاينة الأميركيين هو عملية خلط للأوراق وتضليل للمشاهدين في فيلم هوليوودي دموي مثير للاشمئزاز من أفلام رعاة البقر والهنود الحمر جرى تصوير مشاهده في الحرب الفيتنامية والأفغانية والعراقية وعلى الأرض الفلسطينية والسودانية واللبنانية والصومالية.

وفي عمليات الغزو العلنية والانقلابات السرية في كوبا وبنما وفنزويلا بأميركا اللاتينية وذلك لإغراق العرب والمسلمين في بحور الصراعات السياسية والفتن الدينية لاستكمال مخططات التقسيم وعودة السيطرة الاستعمارية.

... هذا مجرد ضوء أحمر أمام القادم من فتن أخطر وحذار من السقوط في المحظور.

كاتب مصري

moc.liamtoh@t77hodmam