هناك فكرة سائدة معروفة تقول ان العديد من أركان الفكر اليميني المحافظ الجديد في الولايات المتحدة الأميركية ينحدرون من «طبقات شعبية ومن أبناء المهاجرين»، بل إن بعضهم، وليس الأقل شأنا بينهم، مثل ايفرنغ كريستول، كانوا ذوي أصول «تروتسكية». وكي تكتمل الصورة فقط انهم بأغلبيتهم من اليهود. ما يجمعهم هو أنهم مثقفون يساريون «في الأصل» انتقلوا، وحتى دون التوقف في أية محطة بـ «الوسط»، إلى أقصى اليمين ورفعوا بضراوة رايات العداء للشيوعية التي كانت تبدو وكأنها «حاضنتهم» الأساسية، هؤلاء هم اليوم مصدر استلهام السياسة الخارجية الأميركية.
الظاهرة نفسها تتكرر اليوم في فرنسا بمناسبة الحملة الانتخابية الرئاسية. قد تختلف التسميات والتوصيفات مثل استخدام «النخب المثقفة» أو «البورجوازية الفكرية» أو «اليساريون السابقون» أو... أو... لكن المضمون هو ذاته. والأمر يتعلق بـ «محافظين فرنسيين جدد»، تركوا معسكرهم اليساري وشنّوا هجومات شرسة على المرشحة الاشتراكية سيغولين روايال كي ينضووا وراء أكثر المرشحين الفرنسيين «بوشية» نيكولا ساركوزي، المرشح الأوفر حظا في معسكر اليمين الفرنسي للفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة. «نيكولا الأميركي» كما سرّه أن يطلقوا عليه عند زيارته للولايات المتحدة قبل عدة أشهر.
اندريه غلوكسمان، هو فيلسوف فرنسي بدأت شهرته مع دعواته الثورية التي أطلقها في سياق ما بعد مظاهرات الطلبة التي شهدتها فرنسا في شهر مايو 1968 والمعروفة بـ «ثورة الطلبة»، وطالب فيها باللجوء إلى ما يشبه «حرب العصابات» والتمرد وتحطيم الفاشيين الفرنسيين. هؤلاء الفاشيون لم يكونوا آنذاك سوى الجنرال شارل ديغول وأنصاره.
اندريه غلوكسمان هذا كان على رأس جوقة المثقفين الفرنسيين الذين أيّدوا حرب جورج دبليو بوش الأخيرة ضد العراق. ولم يتردد في أن يقول ويصرح ويردد ويكتب ان هذه الحرب ستفتح «أبواب السعادة والديمقراطية» أمام بلدان المنطقة كلها. لا شك أنه من الصعب على المرء أن يعتقد أنه كان يفكر بشيء آخر غير أمن إسرائيل. ثم إن هذا الفيلسوف «اليساري السابق»، كما يعرّف نفسه، لم يفكر أن يشجب ولو مرّة واحدة ما يجري من جرائم في العراق.
حجّة غلوكسمان، في إعلان دعمه بل ولائه النشيط لمرشح اليمين الفرنسي الأقوى في الانتخابات الرئاسية، هي أنه لم يعد لليسار الفرنسي أي مشروع «كوني» بل إنه «تقوقع وانكفأ على الداخل الفرنسي». وبالتالي لا يمكن اتباع من يلحق السواقي الصغيرة -سيغولين روايال- والتخلّي عمن يريد ايجاد «آفاق جديدة» - نيكولا ساركوزي؟!
إذا كان اندريه غلوكسمان مثالا صارخا لأولئك المثقفين الذين غيروا «معسكرهم التاريخي» كي يدعموا المعسكر الخصم لـ «معسكرهم التاريخي»، فإنه ليس الوحيد. وهذه هي بعض العينات. كتب الان مينك، الباحث الاقتصادي المعروف عن السيدة روايال: «إنها تعطي الانطباع بفقدان أية بوصلة في الميدان الاقتصادي»، وكتب باسكال بروكنر، الذي التحق منذ فترة وجيزة فقط بمعسكر ساركوزي: «إنني أحمل لها الكثير من الود، لكن ما جمّد الدم في عروقي هو التصريح الذي قال فيه فرانسوا هولاند انه لا يحب الأغنياء».
للإشارة فرانسوا هولاند هو شريك حياة سيغولين روايال، والسكرتير الأول للحزب الاشتراكي. وكتب ماكس غالو، الذي كان ناطقا ذات يوم باسم الحكومة الاشتراكية في بداية عهد فرانسوا ميتران: «عندما أسمع حديث سيغولين روايال، أفهم مدى الصعوبة التي يواجهها اليسار الفرنسي في إدراج المسائل الدولية والدفاعية في تفكيره». وكتب جاك اتالي، المستشار السابق لفرانسوا ميتران: «سوف تتعلم. فالمهمة الرئاسية تتطلب معرفة إبداء الآراء حول المواضيع الدولية الكبرى»، وكتب... وقال...
أما عن النعوت التي أطلقت على السيدة سيغولين، حتى وربما خاصة من معسكرها، فهناك على سبيل المثال وليس الحصر أنها «ساذجة» و«متسرعة» و«هاوية» و«تجهل أمور العالم» و«غير كفوءة» و«فارغة» و«تفتقر إلى الثبات» و«يمينية موشحة بثوب يساري»، بل وصل الحد ببعضهم إلى اتهامها بأنها «حمقاء».
ما هو مؤكد وواضح هو أن مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي، وبالتالي مرشحة معسكر اليسار الأوفر حظا في خوض الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية -الانتخابات الرئاسية في فرنسا تجري على دورتين بينهما أسبوعان ـ قد ارتكبت العديد من الهفوات، وربما أنها قد تباطأت كثيرا في إعلان برنامجها الذي ستخوض على أساسه الانتخابات؛ وإنها استسلمت كثيرا لتوجهات استطلاعات الرأي بل وربما أنها لم تول القدر المطلوب من الأهمية لنقاش مشكلات حقيقية تلمس «كبد» حياة الفرنسيين مثل الأمن والهجرة.
كما أنها أثارت بعض «التفكّه» عندما لبست ثوبا أبيض اثناء زيارتها لسور الصين، والأبيض هو لون الحداد في هذه البلاد. أو عندما «ارتبكت» أمام سؤال «خبيث» وجهه صحافي لها حول عدد الغواصات التي تمتلكها فرنسا.
هذا كله صحيح، ولكن من الصحيح والثابت أيضا أنه ومنذ أن أظهرت استطلاعات الرأي بعض التراجع في شعبيتها أشهر أولئك الذين كانوا صامتين ضد الأمس القريب سكاكينهم. وبدا أيضا أن التيارات التي تنافست داخل الحزب الاشتراكي لتحدد مرشحه للرئاسة، لم تكن تعبيرا عن «الديمقراطية» الحقيقية حسبما أظهرت الطريقة التي تمّت بها وإنما كانت أيضا تعبيرا عن منافسات تقترب كثيرا من «نزعة التدمير الذاتي». وبكل الأحوال لا تزال التعبئة من أجل النجاح تتطلب البرهان عليها.
ثم هل من التهور القول ان بعض «عظام الرقبة» في حزبها يحاولون عرقلة تقدمها عبر «صحافيين بالوكالة»؟! ولماذا يتصرفون أحيانا وكأنها ليست مرشحتهم؟!
بكل الأحوال، إن الحملة الرئاسية الانتخابية الرسمية لم تبدأ بعد. والسيدة سيغولين روايال تواجه «نيرانا متقاطعة» من عدة اتجاهات. من خصومها أولا بالطبع الذي يرصدون حركاتها وسكناتها وكل كلمة تقولها، ولا يترددون في استخدام كل إمكانيات الرد، بل الردع، ومن مثقفين يساريين وغير يساريين. وهذا ما عبّر عنه رجل الإعلان الفرنسي الشهير جاك سيغيلا، الذي كان المسؤول الإعلاني عن حملة ليونيل جوسبان المرشح الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2002، بوصف المعنيين بأنهم «مثل أسماك القرش التي تجذبها رائحة الدماء».
للتذكير فقط تتماثل كثيرا أجواء الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا اليوم مع اجواء الفترة التي سبقت انتخابات عام 1981 حيال المرشح آنذاك فرانسوا ميتران. وميتران هو الذي جرى انتخابه الرئيس الرابع للجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها ديغول عام 1958.
كاتب سوري