قاذفات نووية تحملها صواريخ طويلة المدى منطلقة من قواعد في كوريا الشمالية تضرب مدناً كبرى على الساحل الغربي الأميركي بما في ذلك سان فرنسيسكو ولوس أنجلوس فتذرها قاعاً صفصفاً.
هذا هو الخطر الأعظم الذي يؤرق الولايات المتحدة. لكن الاتفاق الأميركي الكوري الذي أبرم مبدئياً قبل بضعة أيام لا يلغي هذا الخطر بحال من الأحوال. فهو اتفاق ينحصر في وقف نشاط المنشأة النووية الرئيسية في كوريا الشمالية التي يطلق عليها «مجمع يونجبيون» وبالتالي فهو لا يتعلق من قريب أو بعيد بترسانتها النووية، أي مخزون كوريا الشمالية من الأسلحة النووية الجاهزة للاستخدام، بل ولا يتعلق حتى بترسانتها من الصواريخ عابرة القارات المجهزة لحمل قاذفات نووية.
بكلمات أخرى فإن الخطر النووي الذي تمثله كوريا الشمالية تجاه الأمن القومي الأميركي يبقى ماثلاً لأجل غير مسمى.
بالطبع تملك الولايات المتحدة إمكانية الرد بالمثل على أي هجوم نووي من كوريا الشمالية. لكن عند اندلاع حرب نووية لن يكون هناك غالب ومغلوب. فالدمار الشامل سوف يحيق بالجانبين.
لماذا إذن يفرك جورج بوش يديه معبراً عن فرحه تجاه الاتفاق الأميركي الكوري؟
لأن بوش يجد نفسه على خلفية الفشل المتصاعد في العراق وأفغانستان بحاجة إلى أي شيء يمكن أن يقدمه إلى الشعب الأميركي كانتصار، حتى لو كان زائفاً.
قادة كوريا الشمالية يدركون حالة اليأس التي يعانيها بوش مع تضاعف الفشل في العراق بصورة خاصة مع تدني شعبيته داخل الولايات المتحدة إلى أقل نسبة في تاريخ الرئاسة الأميركية، ويدركون أن الرئيس الأميركي أصبح محاصراً تماماً ليس فقط من خصومه في «الحزب الديمقراطي» المعارض بل حتى من قاعدته في «الحزب الجمهوري» الحاكم.
وهذه هي الحقيقة التي تفسر لنا المهارة التفاوضية التي تميز بها الوفد الكوري من خلال المفاوضات التي قادت إلى الاتفاق.
كان المفاوضون الكوريون الشماليون يدركون أن الفريق التفاوضي الأميركي في حالة ضعف فقرروا استغلال هذا الضعف إلى أقصى درجة.
في سياق ذلك الاستغلال رفض الكوريون منذ البداية إدراج الترسانة النووية الكورية على جدول أعمال المفاوضات. لقد وافقوا فقط على وقف نشاط المجمع النووي، أي وقف تصنيع أسلحة نووية جديدة. ولكن ما قيمة هذا التوقيف ما دامت كوريا الشمالية تحتفظ بمخزونها الاستراتيجي من القنابل النووية الجاهزة؟
ثم انه وقف مؤقت وفقاً لنص الاتفاق. ولو لم تكن كوريا الشمالية تمتلك مثل هذا المخزون الخطير لتعاملت معها الولايات المتحدة كما تعاملت مع العراق: غزو واحتلال وتدمير شامل.
الرادع النووي الكوري هو الذي أجبر واشنطن على التعامل مع بيونغ يانغ بأسلوب التفاوض السلمي وليس بأسلوب هجوم عسكري ترد عليه كوريا بقنابل نووية تطال مدن الساحل الغربي الأميركي.
على مدى خمس سنوات ظلت إدارة بوش تسعى لتجريد كوريا الشمالية من ترسانتها النووية في وجه رفض كوري عنيد. لكن الضعف الذي أصاب الولايات المتحدة أخيراً هو الذي أغرى قادة كوريا الشمالية بتقديم تنازل تفاوضي شكلي يمنح بوش انتصاراً دعائياً فارغ المضمون.